ملعب “لا كارتوخا” في إشبيلية لم يشهد فرحة عارمة كهذه منذ زمن. صافرة النهاية أطلقت احتفالاً بيتيسياً مستحقاً. في المقابل، وقف كيليان مبابي مسمّراً في مكانه، عاجزاً عن تصديق ما حدث. فقد خسر ريال مدريد أمام مضيفه ريال بيتيس بنتيجة 1-0 في الرابع من سبتمبر 2026. كشفت هذه المباراة هشاشة لافتة داخل صفوف “الملكي”. القضية لم تعد مجرد نتيجة عابرة. بل باتت تتصل مباشرة بملف دفاع ريال مدريد الذي يشغل الأنصار والمحللين على حد سواء، منذ بداية عهد المدرب الجديد خوسيه مورينيو.

خسارة مدوية تكشف عن أزمة دفاع ريال مدريد

سجّل تروي باروت هدف بيتيس الوحيد في الدقيقة 81، بعد تمريرة استغلها ببراعة داخل منطقة الجزاء. لكن الحدث الأبرز جاء في الوقت بدل الضائع. فقد حصل فينيسيوس جونيور على ركلة جزاء واضحة، إثر تدخل عنيف من المدافع نتان. تقدّم مبابي لتنفيذ الركلة، لكن الحارس ألفارو فاييس تصدى لمحاولته ببراعة. وبهذا، بقيت النتيجة عند 1-0 لصالح بيتيس. هكذا سقط ريال مدريد في أول هزيمة لمورينيو منذ عودته إلى بيرنابيو، رغم سيطرة هجومية واضحة طوال اللقاء.

لحظة الحسم التي غيّرت مجرى المباراة

لم تكن الركلة المهدرة سوى تتويج لمسلسل من الفرص الضائعة. فقد أوقف الحكم هدفاً آخر لبيتيس بداعي التسلل قبل ذلك بدقائق. في المقابل، اشتكى معسكر ريال مدريد من تسلل مدافع بيتيس ماركو بارترا داخل منطقة الجزاء لحظة تنفيذ الركلة. غير أن الحكم لم يحتسب هذا الاعتراض. لذلك، بقيت النتيجة كما هي. وسجّل التاريخ أول سقوط لمورينيو في الدوري الإسباني منذ توليه المهمة.

ردّ فعل مورينيو بعد الصدمة

في المؤتمر الصحفي، بدا مورينيو حائراً أكثر من أي وقت مضى. صرّح قائلاً إن الفريق لعب مباراة جيدة في كل الجوانب. وأضاف أنه لا يجد ما ينتقده فردياً في أداء لاعبيه. ومع ذلك، أقرّ بأن بيتيس لعب بذكاء أكبر. كما وصف لاعبي ريال مدريد بـ”الساذجين” في التعامل مع لحظات الحسم. هذا التناقض بين الأداء الجماعي الجيد والنتيجة السلبية يطرح تساؤلات أعمق حول صفقات ريال مدريد الصيفية. فهل يملك الفريق القدرة على ترجمة السيطرة إلى نقاط فعلية؟

دفاع ريال مدريد تحت الأضواء منذ بداية الموسم

لم تكن مشكلات دفاع ريال مدريد وليدة هذه المباراة وحدها. فقد دخل مورينيو الموسم وسط نقص واضح في عدد المدافعين الجاهزين. إذ ظل إيدير ميليتاو يعاني من آثار الإصابة لفترة طويلة. واعتمد المدرب البرتغالي بشكل أساسي على ثنائي دين هويسن وإبراهيما كوناتي في قلب الدفاع. هذا الاعتماد المبكر على تشكيلة محدودة الخيارات جعل أي أزمة إصابات أو تعب بدني تنعكس مباشرة على الاستقرار الدفاعي. وقد لاحظ محللون عديدون هذه الثغرة قبل بداية الموسم بأسابيع.

غياب القيادة الميدانية في الخط الخلفي

منذ رحيل جيلين كاملين من المدافعين القياديين الذين اعتاد بيرنابيو رؤيتهم في السابق، يفتقد ريال مدريد صوتاً واضحاً يقود الخط الخلفي في اللحظات الحرجة. لذلك، تتحمل الثنائيات الجديدة في الدفاع مسؤولية مضاعفة. إذ عليها أن تتخذ قرارات سريعة دون خبرة قيادية متراكمة. كما أن الاعتماد الكبير على انضباط الوسط الميداني لتعويض هذا النقص يزيد الضغط على لاعبين آخرين. وبالتالي، يضعف هذا الوضع التوازن العام للفريق في المباريات الصعبة.

خيارات مورينيو المتاحة في الفترة القادمة

مع اقتراب عودة ميليتاو تدريجياً إلى مستواه، يأمل مورينيو في تعزيز صلابة دفاع ريال مدريد. فهو يراهن على منافسة داخلية حقيقية على المركزين المحوريين. غير أن بناء انسجام دفاعي متكامل يحتاج وقتاً وتجارب متكررة في المباريات الرسمية. وهذا ما لم يتوفر بعد بالشكل الكافي. من جهة أخرى، يشكّل التنسيق بين خط الدفاع وخط الوسط عاملاً حاسماً. خصوصاً في المباريات التي يفرض فيها الخصم كتلة دفاعية منظمة، كما فعل بيتيس.

بيليغريني يهندس مفاجأة إشبيلية بكتلة دفاعية محكمة

نجح المدرب التشيلي مانويل بيليغريني في فرض خطة واضحة على لاعبيه. اعتمدت هذه الخطة على كتلة دفاعية متوسطة الارتفاع تُقفل الممرات المركزية. كما دفعت خصمها نحو الأطراف، حيث يسهل التحكم في إيقاع اللعب. لم يعتمد بيليغريني على الضغط العالي المستمر. بل فضّل تنظيماً جماعياً محكماً يقلّل من مخاطر الهجمات المرتدة السريعة التي يجيدها فينيسيوس ومبابي. هذه المقاربة الذكية هي ما مكّن بيتيس من الصمود طويلاً، قبل أن يحسم باروت النتيجة لصالحه.

خطة ثابتة أثبتت جدواها موسماً بعد موسم

يقود بيليغريني بيتيس للموسم السابع على التوالي. وقد اعتاد فريقه على مواجهة الأندية الكبرى بهذا الأسلوب المنضبط. وبينما يركّز ريال مدريد على الهجوم المباشر، يراهن بيتيس على الصبر التكتيكي. وقد أثبت هذا الأسلوب نجاعته مجدداً أمام فريق يعاني أصلاً من ثغرات في دفاع ريال مدريد. وهذه الثغرات لم يعالجها مورينيو بعد بشكل كامل.

الطريق القادم لمورينيو بعد الصدمة الأولى

يواجه ريال مدريد سلسلة اختبارات مباشرة بعد هذه الخسارة. تبدأ هذه السلسلة باستضافة رايو فاييكانو، ثم زيارة إلتشي. وتأتي بعدها مباراة كلاسيكو مدريد المرتقبة أمام أتلتيكو. ستكون هذه المباريات مقياساً حقيقياً لقدرة مورينيو على معالجة هشاشة دفاع ريال مدريد. ومع ذلك، فإن اعتراف المدرب نفسه بصعوبة تفسير الهزيمة يعكس حجم التحدي الذي ينتظره. إذ لا يكفي الأداء الجيد وحده لضمان النتائج في دوري بحجم الليغا. وبالتالي، ستحدد الأسابيع القادمة ملامح مشروع مورينيو الدفاعي بشكل أوضح.

وبحسب ما نقلته شبكة بي إن سبورتس، تمثل هذه الهزيمة أول اختبار حقيقي لصلابة مشروع مورينيو. فقد تولى المدرب البرتغالي المهمة في يونيو 2026 خلفاً لألفارو أربيلوا. وكان أربيلوا قد أشرف على الفريق بشكل مؤقت بعد رحيل تشابي ألونسو مطلع العام. ويظل السؤال مطروحاً: هل يملك مورينيو الوقت الكافي لإصلاح دفاع ريال مدريد قبل أن تتفاقم الانتقادات؟

بقلم: نادية بوعزيزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *