شعار الاتحاد الإنجليزي على واجهة ملعب ويمبلي، مضيف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي

في كل شهر يناير، تتوقف عجلة الدوري الإنجليزي الممتاز أياماً معدودة. تُفسح بذلك المجال أمام طقس كروي لا يشبه غيره. ملاعب متواضعة لا تتسع لأكثر من بضعة آلاف من المتفرجين تستقبل أندية تحمل تشكيلات بمئات الملايين. ولاعبون يمارسون مهناً عادية في الصباح يجدون أنفسهم مساءً في مواجهة نجوم دوليين. هذا المشهد بالذات جعل كأس الاتحاد الإنجليزي تحتل مكانة خاصة في وجدان عشاق الكرة حول العالم. ويشمل ذلك الجمهور العربي والمغربي، الذي تربّى على متابعة الدور الثالث كما يتابع مباريات القمة.

يتعوّد المشاهد العربي على سماع اسم هذه البطولة كل موسم. ومع ذلك، تبقى تفاصيلها الفعلية غامضة لدى كثيرين. متى تأسست؟ كم فريقاً يشارك فيها؟ ولماذا لا تدخلها أندية النخبة إلا في منتصف الطريق؟ في ما يلي دليل مفصّل يجيب عن هذه الأسئلة. يعتمد الدليل على معطيات الموقع الرسمي للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، ووسائل إعلام رياضية موثوقة.

حكاية بدأت عام 1871 بخمسة عشر نادياً فقط

تعود فكرة المسابقة إلى صيف عام 1871. اقترح الاتحاد الإنجليزي حينها تنظيم بطولة إقصائية، تجمع الأندية المنتسبة إليه. وهذا يجعلها أقدم مسابقة كروية وطنية في العالم على الإطلاق. انطلقت النسخة الأولى في موسم 1871-1872، بمشاركة خمسة عشر نادياً لا غير. وأقام الاتحاد نهائيها يوم 16 مارس 1872، على ملعب كينينغتون أوفال في لندن. تغلّب فريق واندررز على رويال إنجينيرز بهدف نظيف، سجّله مورتون بيتس. حضر المباراة نحو ألفَي متفرج، دفع كل منهم شلناً واحداً ثمناً للدخول، بحسب أرشيف الاتحاد الإنجليزي.

ومنذ تلك الأمسية البعيدة، تحوّلت البطولة العريقة من مناسبة تخص طبقة من الهواة الإنجليز، إلى حدث يتابعه مئات الملايين. لكنها لم تفقد ملمحها الأصلي: نظام إقصائي صارم لا يمنح فرصة ثانية، وقرعة مفتوحة قد تضع نادياً من الدرجة الخامسة في مواجهة بطل الدوري.

كيف يعمل نظام كأس الاتحاد الإنجليزي اليوم؟

يقوم النظام الحالي على مبدأ التدرّج. تبدأ الرحلة قبل أشهر طويلة من الأدوار التي تنقلها القنوات تلفزيونياً. ففي نسخة موسم 2026-2027 مثلاً، بلغ عدد الأندية المسجّلة 743 نادياً. ينتمي منها 651 نادياً إلى ما تسميه الأوساط الكروية منظومة الدوريات غير المحترفة، أي المستويات من الخامس إلى التاسع. تخوض هذه الأندية ستة أدوار تأهيلية متتالية، بدأت في السابع من أغسطس 2026 وتنتهي في أكتوبر. تبحث فيها عن 32 مقعداً فقط، تمنح صاحبها حق العبور إلى الدور الأول من المسابقة الأساسية.

متى تدخل أندية الدوري الممتاز؟

عند انطلاق الدور الأول، تصبح المنافسة بين 124 فريقاً. هي الأندية الاثنان والثلاثون القادمة من التصفيات، إلى جانب أندية الدرجتين الثالثة والرابعة. أما أندية الدوري الإنجليزي الممتاز وأندية دوري البطولة (الدرجة الثانية) فلا تدخل المعترك إلا في الدور الثالث. ينظّم الاتحاد هذا الدور تقليدياً في مطلع يناير. ولهذا يعتبر جمهور الكرة الإنجليزية هذا الدور العيد الحقيقي للمسابقة. تختتم الرحلة بنهائي على ملعب ويمبلي في لندن. وحدد الاتحاد موعد نهائي النسخة المقبلة في 22 مايو 2027.

نهاية عصر مباريات الإعادة

من أهم التعديلات الحديثة أن الاتحاد ألغى مباريات الإعادة، اعتباراً من موسم 2024-2025، في كل أدوار المسابقة الأساسية. جاء ذلك ضمن اتفاق مدته ست سنوات بين الاتحاد الإنجليزي والدوري الممتاز، كما أعلن الاتحاد ونقلته بي بي سي سبورت. وبذلك، تحسم ركلات الترجيح مباشرة أي مواجهة تنتهي بالتعادل بعد الوقت الإضافي، في اليوم نفسه. واحتفظت الأدوار التأهيلية وحدها بحق الإعادة. جاء القرار لتخفيف الازدحام في الروزنامة، بعد توسيع البطولات الأوروبية. لكنه واجه انتقادات واسعة من الأندية الصغيرة، التي كانت ترى في مباراة الإعادة مورداً مالياً استثنائياً.

ماذا يربح الفائز فعلياً؟

لا يقتصر ما يناله بطل كأس الاتحاد الإنجليزي على اللقب والصورة التذكارية أسفل مدرجات ويمبلي. يحصل الفائز أيضاً على بطاقة مشاركة في الدوري الأوروبي (يوروبا ليغ). وهذا امتياز يمنح الأندية المتوسطة طريقاً مختصراً إلى القارة. كما ينال حق خوض درع المجتمع، في مواجهة بطل الدوري الممتاز مطلع الموسم الموالي. وتجسّد ذلك عملياً هذا الصيف. التقى مانشستر سيتي، بصفته حامل الكأس، مع أرسنال بطل الدوري في درع المجتمع، يوم 16 أغسطس 2026. وانتهت المباراة بفوز عريض للنادي اللندني، بثلاثة أهداف نظيفة سجّلها ريكاردو كالافيوري وكاي هافيرتز ومارتن أوديغارد.

ليالٍ لا ينساها أحد: حين يسقط العمالقة

لا يمكن الحديث عن هذه البطولة، من دون التوقف عند ظاهرة «قتل العمالقة». وهي التسمية التي يطلقها الإنجليز على انتصار نادٍ صغير على آخر كبير. من أشهر هذه الليالي ما حدث في يناير 1989. تغلّب فريق ساتون يونايتد، القابع آنذاك في المستوى الخامس، على كوفنتري سيتي، بطل النسخة قبل عامين. جاء الفوز بهدفين مقابل هدف، بفضل رأسية توني رينز وهدف قاتل لماثيو هانلان.

وفي الرابع من يناير 1992، تكرّر السيناريو بصورة أشد قسوة. استقبل ريكسهام، الذي كان يحتل المركز الأخير في هرم الدوري الإنجليزي، نادي أرسنال حامل لقب الدوري. فانتزع الفوز بهدفين لهدف، عبر ركلة حرة رائعة من ميكي توماس ثم هدف ستيف واتكين. أما الاستثناء الأكبر فسجّله ويمبلدون عام 1988. أطاح الفريق بليفربول في النهائي نفسه، بهدف رأسي من لوري سانشيز. وفي تلك المباراة، تحوّل الحارس ديف بيزنت إلى بطل، بعد تصديه لركلة جزاء. ويختصر الإنجليز هذه المفاجآت الثلاث عادةً في عبارة واحدة: «سحر الكأس».

أرسنال في الصدارة ومانشستر سيتي آخر المتوّجين

على مستوى الأرقام، يتصدّر أرسنال قائمة الأكثر تتويجاً في تاريخ كأس الاتحاد الإنجليزي، برصيد أربعة عشر لقباً. يليه مانشستر يونايتد بثلاثة عشر لقباً. ثم تأتي مجموعة تضم تشيلسي وليفربول وتوتنهام ومانشستر سيتي، بثمانية ألقاب لكل منهم. وجاء اللقب الثامن لنادي مانشستر سيتي في نهائي 16 مايو 2026 على ويمبلي. تغلّب الفريق على تشيلسي بهدف نظيف، وقّعه الغاني أنطوان سيمينيو في الدقيقة الثانية والسبعين، بلمسة فنية من مسافة قريبة بعد تمريرة إرلينغ هالاند. وينقل هذه التفاصيل تقرير المباراة على الموقع الرسمي للاتحاد الإنجليزي. وكان ذلك النهائي الرابع على التوالي لسيتي، وهو رقم قياسي. وتأكدت معه أزمة تشيلسي في النهائيات الكبرى، منذ آخر تتويج له عام 2018.

بطولة تقاوم منطق المال

ما يمنح هذه المسابقة قيمتها الحقيقية ليس عدد ألقاب أرسنال، ولا حتى صور الاحتفال على درج ويمبلي. بل كونها المكان الوحيد تقريباً في الكرة الحديثة، الذي ما زال يسمح لفريق من قرية صغيرة بأن يحلم علناً بمواجهة بطل أوروبا. صحيح أن إلغاء مباريات الإعادة، وتضخّم الفوارق المالية، جعلا المفاجآت أكثر ندرة مما كانت عليه في الثمانينيات. غير أن التركيبة الأساسية بقيت كما وضعها مؤسسو البطولة قبل أكثر من قرن ونصف: قرعة عمياء، ومباراة واحدة، ولا شيء يضمنه أحد مسبقاً. ولهذا السبب تحديداً، تظل ليالي يناير الإنجليزية موعداً ينتظره المتابع العربي كل عام. وذلك حتى حين لا يعرف أسماء نصف اللاعبين المشاركين فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *