عودة أسطورية في اللحظات الأخيرة
كتب المنتخب الأرجنتيني حامل اللقب فصلاً جديدًا من ملحمته في هذا المونديال، بعدما قلب تأخره أمام إنجلترا إلى فوز درامي بنتيجة 2-1 في نصف نهائي كأس العالم 2026، ليبلغ المباراة الختامية للمرة الثانية على التوالي. وبدت “الألبيسيليستي” في طريقها للخروج من البطولة بعدما تقدم الأسود الثلاثة بهدف نظيف، قبل أن يقلب ليونيل ميسي ورفاقه الطاولة بالكامل في اللحظات الحاسمة من المباراة.
تفاصيل المواجهة: تقدم إنجليزي ثم انقلاب أرجنتيني
افتتح أنتوني غوردون التسجيل لصالح إنجلترا في الدقيقة 55 بعد تمريرة بينية من مورغان روجرز، في هدف بدا لوهلة أنه سيكون كافيًا لحسم المواجهة لصالح “الأسود الثلاثة”. غير أن ليونيل ميسي، الذي صنع كلا الهدفين الأرجنتينيين، كان له رأي آخر، إذ قاد فريقه إلى تعادل مثير عبر تسديدة رائعة من خارج منطقة الجزاء سجلها إنزو فرنانديز في الدقيقة 85، قبل أن يمنح ميسي زميله لاوتارو مارتينيز كرة عرضية حولها الأخير برأسية متقنة إلى الشباك في الدقيقة 92، ليقلب التأخر إلى فوز قاتل بضربة معلم في الوقت بدل الضائع.
انتقادات لاذعة لتوشيل بعد القرارات التكتيكية
تعرض المدير الفني الإنجليزي توماس توخيل لموجة انتقادات واسعة بعد المباراة، بسبب قراره التراجع نحو لعب دفاعي مفرط عقب تسجيل هدف التقدم، إذ أشرك ثلاثة مدافعين إضافيين هم عزري كونسا ودان بيرن ونيكو أوريللي خلال الدقائق العشرين الأخيرة. ولم يتردد نجوم الكرة السابقون في توجيه سهام النقد للمدرب الألماني، إذ قال واين روني: “توخيل، رغم كل الإشادة التي وجهناها له، غيّر طريقة لعبه بمجرد أن تقدم فريقه، وأعتقد أنه أدرك أنه بذلك يقول إنه لا يثق في فريقه”. من جانبه، اعتبر زلاتان إبراهيموفيتش أن “توخيل بالغ في التمسك بالخيار الدفاعي”، فيما وصف آلان شيرر المشهد بأن الفريق الإنجليزي “دخل بستة مدافعين على أرض الملعب وكشف أوراقه بمحاولة الحفاظ على النتيجة فقط”.
سكالوني: قلوبنا هي سرّ تفوقنا
لم يُخفِ المدير الفني الأرجنتيني ليونيل سكالوني حجم فخره بلاعبيه عقب صافرة النهاية، قائلاً: “أنا عاجز عن إيجاد الكلمات. سعادة كبيرة لبلدنا وشعبنا، وسعادة كبيرة أخرى لهذه المجموعة التي لا تعرف معنى الاستسلام”. وأضاف سكالوني: “نحن فريق فريد من نوعه، وهذا ليس غرورًا، بل هو القلب وحده. من الصعب جدًا على الناس أن يفهموا حجم ما قدمه لاعبونا، إنه أمر مبهر حقًا”. تصريحات تعكس الروح القتالية التي ميزت مسيرة الأرجنتين طوال البطولة، والتي شهدت أكثر من عودة مماثلة في مراحل حاسمة.
ميسي يقترب من حلم ثانٍ متتالٍ
يواصل ليونيل ميسي، الذي صنع هدفي المباراة، كتابة تاريخ جديد مع منتخب بلاده، ويقترب بخطى ثابتة من قيادة الأرجنتين نحو لقب عالمي ثانٍ على التوالي بعد نسخة قطر 2022. وكان النجم الأرجنتيني قد صرح قبل المواجهة بأنها تحمل طابعًا خاصًا كونها المرة الأولى التي يلعب فيها ضد إنجلترا، واصفًا المنتخب الإنجليزي بـ”القوة الكبيرة”، ومعربًا عن سعادته بخوض مثل هذه المواجهات في مرحلة متقدمة من البطولة.
نهائي تاريخي ينتظر ميسي وياماز
بفوزها على إنجلترا، ضمنت الأرجنتين مقعدها في المباراة النهائية لكأس العالم 2026 المقرر إقامتها يوم الأحد على ملعب نيويورك نيوجيرسي، في مواجهة إسبانيا التي حجزت بطاقتها هي الأخرى إلى النهائي. وتحمل هذه المواجهة بعدًا خاصًا، إذ ستشهد أول لقاء مباشر بين ليونيل ميسي ولامين يامال، نجم المنتخب الإسباني الصاعد، في مشهد يُنظر إليه على أنه رمزية انتقال الشعلة بين جيلين من عمالقة الكرة العالمية.
إنجلترا تتجه نحو مباراة تحديد المركز الثالث
في المقابل، تلقى المنتخب الإنجليزي ضربة موجعة بخروجه من البطولة على أعتاب النهائي للمرة الأخرى، ليجد نفسه أمام مهمة مواساة نفسه بمواجهة فرنسا في مباراة تحديد المركز الثالث المقررة يوم السبت. ومن المنتظر أن يخضع أداء توخيل وقراراته التكتيكية لمراجعة موسعة خلال الأيام المقبلة، وسط تساؤلات حول مستقبله مع “الأسود الثلاثة” بعد هذا الإخفاق المؤلم في الوصول إلى النهائي.
خاتمة: مشهد يختصر روح كأس العالم
لخّصت مباراة الليلة بكل تفاصيلها الدرامية جوهر كرة القدم في أعلى مستوياتها؛ تقدم مستحق، ثم إرادة لا تعرف الاستسلام، وحسم في الثواني الأخيرة يعيد رسم خريطة اللقب العالمي. وبين احتفالات أرجنتينية عارمة وخيبة إنجليزية كبيرة، يستعد العالم لمتابعة نهائي استثنائي يجمع بين أعرق الأسماء وأكثرها وعدًا بالمستقبل في كرة القدم الحديثة.
مسيرة الفريقين نحو نصف النهائي
وصلت الأرجنتين إلى هذه المواجهة بعد سلسلة نتائج قوية شملت الفوز على سويسرا 3-1 في ربع النهائي، ومرورها بمباريات صعبة أمام مصر وكاب فيردي في الأدوار الإقصائية الأولى، فيما وصلت إنجلترا بعد فوزها على النرويج 2-1 في ربع النهائي، ونتائج إيجابية أمام المكسيك والكونغو الديمقراطية في الأدوار السابقة. وأظهرت الإحصاءات تفوقًا نسبيًا للأرجنتين من حيث الاستحواذ والفرص المتوقعة طوال البطولة، وهو ما انعكس في النهاية على مجريات المواجهة الحاسمة.
ردود فعل غاضبة من الجماهير الإنجليزية
عمّت موجة من خيبة الأمل صفوف الجماهير والإعلام الإنجليزي عقب المباراة، مع تركيز واسع على قرار توخيل سحب أنتوني غوردون، صاحب هدف التقدم، واستبداله بلاعبين دفاعيين في وقت كان الفريق بحاجة فيه للحفاظ على الخط الهجومي لإدارة الدقائق الأخيرة بشكل أفضل. ويرى محللون أن هذا القرار منح الأرجنتين مساحات إضافية استغلها ميسي ورفاقه بذكاء تكتيكي واضح لقلب النتيجة.
ورغم قسوة الخروج، حقق توخيل مع إنجلترا مشوارًا لافتًا في نسخته الأولى بقيادة “الأسود الثلاثة” في كأس عالم، إذ قاد الفريق إلى نصف النهائي بعد تخطي عقبات قوية في الأدوار الإقصائية. ويبقى السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الاتحاد الإنجليزي سيمنح المدرب الألماني فرصة لتصحيح مسار الفريق في الاستحقاقات القادمة، أم أن هذا الإخفاق سيفتح الباب أمام تغييرات جذرية في الجهاز الفني قبل بطولة أمم أوروبا المقبلة.

