لم يكن المنتخب الجزائري في الموعد أمام عملاقٍ بحجم الأرجنتين حاملة اللقب، فسقط بثلاثيةٍ نظيفةٍ في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026، في المباراة التي جمعت بينهما على ملعب مدينة كانساس سيتي يوم السادس عشر من يونيو ضمن الجولة الأولى من منافسات المجموعة العاشرة. ليلةٌ تاريخيةٌ حملت توقيع الأسطورة ليونيل ميسي، الذي سجّل ثلاثية كاملة قادت «التانغو» إلى انتصارٍ مستحقٍّ ومريح.
ميسي يكتب التاريخ بثلاثيةٍ من العيار الثقيل
كانت هذه الليلة ليلة ميسي بامتياز. افتتح القائد الأرجنتيني التهديف في الدقيقة السابعة عشرة بعد انطلاقةٍ فرديةٍ مراوغةٍ تُوّجت بتسديدةٍ من حافة منطقة الجزاء بقدمه اليسرى الساحرة سكنت الشباك. ثم أضاف الهدف الثاني في الدقيقة الستين بمتابعةٍ سهلةٍ لكرةٍ مرتدّةٍ من الحارس إثر تسديدةٍ من أليكسيس ماك أليستر. وفي الدقيقة السادسة والسبعين، ختم ثلاثيته بتسديدةٍ أرضيةٍ زاحفةٍ من خارج المنطقة لم يستطع الحارس صدّها.
وبهذه الثلاثية، سجّل ميسي أول «هاتريك» في مسيرته بكأس العالم على الإطلاق، ليرفع رصيده إلى ستة عشر هدفاً في تاريخ مشاركاته في كأس العالم 2026، معادلاً بذلك الرقم القياسي للأسطورة الألمانية ميروسلاف كلوزه كأكثر اللاعبين تهديفاً في تاريخ البطولة، ومتجاوزاً الفرنسي كيليان مبابي ليصبح الهدّاف التاريخي الأبرز بين اللاعبين النشطين.
مباراةٌ من العيار الاستثنائي في مسيرة القائد
تزامن هذا الإنجاز مع مناسبةٍ خاصةٍ في مسيرة ميسي، إذ خاض اللقاء كمباراته الدولية رقم مئتين بقميص منتخب بلاده، ليصبح بذلك من الأندر في تاريخ اللعبة الذين بلغوا هذا الرقم. كما تُعدّ هذه النسخة من المونديال مشاركته السادسة في كأس العالم، في رقمٍ قياسيٍّ جديدٍ يُضاف إلى سجلّه الأسطوري.
أداءٌ قياديٌّ مكتملٌ قدّمه نجم الأرجنتين، أثبت من خلاله أنه ما زال قادراً على صناعة الفارق في المحافل الكبرى رغم تقدّمه في العمر، وأنه العقل المدبّر والقلب النابض لمنتخبٍ يسعى للحفاظ على لقبه العالمي.
الخضر يدفعون ثمن أخطاء المنتخب الجزائري الدفاعية
في المقابل، خيّب المنتخب الجزائري، بطل أمم أفريقيا 2019، آمال جماهيره ولم يقدّم المقاومة المنتظرة منه أمام بطل العالم. وحارب «محاربو الصحراء» في فتراتٍ من اللقاء، لكنّ الأخطاء الدفاعية والفارق في الخبرة والكفاءة الفردية حسما المواجهة لصالح الأرجنتين.
وكان المنتخب الجزائري قد سجّل هدفاً مبكّراً في الدقيقة التاسعة عن طريق فارس شايبي، غير أن حكم اللقاء ألغاه بداعي التسلل بعد العودة إلى تقنية الفيديو. لحظةٌ كانت كفيلةً بأن تمنح الخضر دفعةً معنويةً مبكّرةً لو احتُسبت.
وتزداد حسرة الجزائريين حين يستحضرون هدف شايبي الملغى، الذي لو احتُسب لربما غيّر سيناريو المباراة ومنح المحاربين دفعةً معنويةً مبكّرةً أمام بطل العالم. لكنّ كرة القدم لا تعرف لغة «لو»، وبقي الفارق في النجاعة الهجومية والتنظيم الدفاعي حاسماً لصالح الأرجنتين التي لم تترك للخضر أي مساحةٍ للعودة بعد الهدف الثاني.
لوكا زيدان في مرمى الخضر… وذكرى الأب حاضرة
حملت المباراة طرافةً تاريخيةً لافتةً، إذ وقف في حراسة مرمى المنتخب الجزائري الحارس لوكا زيدان، نجل الأسطورة الفرنسية زين الدين زيدان الذي توّج بكأس العالم مع «الديوك» عام 1998. ووجد الحارس الشاب نفسه في مواجهةٍ قاسيةٍ أمام ماكينة الأرجنتين الهجومية، فاستقبلت شباكه ثلاثية ميسي في ليلةٍ صعبةٍ لن ينساها في بداية مشواره الدولي مع بلد والدته.
أرقامٌ قياسيةٌ تتساقط أمام الأسطورة
تجاوزت هذه الليلة حدود المباراة الواحدة لتتحوّل إلى محطةٍ في كتاب أرقام كرة القدم. فإلى جانب معادلته رقم كلوزه التهديفي، أصبحت هذه النسخة هي المشاركة السادسة لميسي في كأس العالم، وهو رقمٌ قياسيٌّ لم يبلغه لاعبٌ من قبل. أما على صعيد المباريات الدولية، فقد بات ميسي ثالث أكثر اللاعبين خوضاً للقاءاتٍ دوليةٍ في التاريخ بعد البرتغالي كريستيانو رونالدو والكويتي بدر المطوّع، في دلالةٍ على طول مسيرته وثباتها عند أعلى المستويات.
هذه الحصيلة الفردية المذهلة جعلت من مباراة الافتتاح استعراضاً لعظمة لاعبٍ يرفض اعتزال الأرقام القياسية، ويواصل تثبيت اسمه على عرش اللعبة حتى في المراحل الأخيرة من مسيرته.
رسالةٌ من حاملة اللقب
أبعد من الأرقام، حملت هذه النتيجة رسالةً واضحةً من المنتخب الأرجنتيني إلى منافسيه على اللقب. فبطل العالم لم يكتفِ بالفوز، بل قدّم أداءً جماعياً ناضجاً ومتماسكاً يعكس رغبةً جامحةً في الاحتفاظ باللقب الذي توّج به في قطر. وبدا واضحاً أن كتيبة «التانغو» تملك من التوازن والخبرة ما يؤهّلها للذهاب بعيداً في هذه النسخة، مستندةً إلى مزيجٍ من النجوم الشباب وقيادة ميسي الملهمة في خط الوسط والهجوم.
لمزيد من التفاصيل حول تاريخ المنتخب الجزائري، يمكن الاطلاع على صفحة المنتخب الجزائري على ويكيبيديا.
خاتمة: مهمةٌ صعبةٌ تنتظر الخضر
تضع هذه الخسارة المنتخب الجزائري أمام مهمةٍ معقّدةٍ في ما تبقّى من مباريات الدور الأول، إذ بات مطالباً بانتفاضةٍ حقيقيةٍ لإنعاش حظوظه في التأهل إلى الدور المقبل بعد بدايةٍ مخيّبة. أما الأرجنتين، فقد أرسلت رسالةً مدوّيةً إلى كل منافسيها بأنها جاهزةٌ للدفاع عن لقبها بكل قوة، وأن أسطورتها ميسي ما زال قادراً على كتابة فصولٍ جديدةٍ من المجد. على الخضر استخلاص الدروس سريعاً، فالطريق ما زال طويلاً، والأمل في التصحيح قائمٌ ما دامت هناك مباريات.
