قدّم المنتخب السعودي وجهاً مشرّفاً في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026، حين انتزع تعادلاً ثميناً بهدفٍ لمثله أمام منتخب أوروغواي، أحد عمالقة كرة القدم في أمريكا الجنوبية وبطل العالم مرتين، في المباراة التي احتضنها ملعب «هارد روك» بمدينة ميامي مساء يوم الخامس عشر من يونيو ضمن الجولة الأولى من منافسات المجموعة الثامنة. تعادلٌ صنعه الأخضر بالعزيمة والإصرار، وحفظه حارسٌ كان في مستوى الحدث.
العمري يخطف التقدّم في توقيتٍ مثالي
دخل المنتخب السعودي اللقاء بخطةٍ دفاعيةٍ منظّمةٍ في مواجهة منتخبٍ يملك خبرةً هائلةً وأسماءً لامعةً. وبينما كانت أوروغواي تبحث عن ثغرةٍ في جدار الأخضر، جاء التقدّم السعودي في الدقيقة الحادية والأربعين عبر المدافع عبدالإله العمري، الذي كان الأسرع في متابعة الكرة المرتدّة من الحارس فيرناندو موسليرا، بعدما تصدّى الأخير لرأسيةٍ قويةٍ من زميله محمد كنو. لمسةٌ بارعةٌ أسكنت الكرة الشباك ومنحت السعودية تقدّماً مستحقاً قبيل نهاية الشوط الأول.
وجاء الهدف ثمرةً لكرةٍ ثابتةٍ أحسن لاعبو الأخضر استغلالها، في دلالةٍ على العمل التكتيكي الدقيق الذي أعدّ به الجهاز الفني لاعبيه لهذه المواجهة الصعبة أمام منتخبٍ بحجم أوروغواي.
العويس… جدارٌ منيعٌ في وجه الهجمات
كان النجم الحقيقي للقاء بلا منازع حارس مرمى المنتخب السعودي محمد العويس، الذي قدّم مباراةً استثنائيةً نال على إثرها جائزة رجل المباراة عن جدارة. فقد وقف العويس سداً منيعاً في وجه هجمات «السيليستي» المتلاحقة، وحرم منتخب أوروغواي من أكثر من فرصةٍ محقّقةٍ للتسجيل.
بدأ العويس استعراض قدراته مبكّراً في الدقيقة الخامسة حين أبعد تسديدةً مفاجئةً، ثم تصدّى لرأسيةٍ خطيرةٍ من المهاجم فيدريكو فيناس في الدقيقة الثلاثين. ولم يتوقّف تألقه عند هذا الحد، إذ حوّل تسديدةً قويةً من مانويل أوغارتي إلى القائم في الدقيقة الستين، قبل أن يختم مباراته بإبعاد تسديدةٍ صاروخيةٍ من فيدي فالفيردي في الوقت بدل الضائع. أداءٌ بطوليٌّ أبقى الأخضر في المباراة حتى الرمق الأخير.
أوروغواي تضغط وتدرك التعادل
سيطر منتخب أوروغواي بقيادة مدرّبه الأرجنتيني مارسيلو بييلسا على مجريات اللعب، وأنهى المباراة بأكثر من سبعٍ وعشرين تسديدةً، لكنّه اصطدم في كل مرةٍ إما بحائط الدفاع السعودي أو بقفازات العويس. وتحسّن أداء «السيليستي» بشكلٍ لافتٍ في الشوط الثاني، بحثاً عن هدف التعادل الذي بدا مسألة وقت.
وفي الدقيقة الثمانين، نجح منتخب أوروغواي أخيراً في إدراك التعادل عن طريق ماكسي أراوخو، الذي تابع الكرة في الشباك بعدما أبعد العويس رأسيةً من فيدريكو فيناس في طريقها نحو المرمى. هدفٌ قاسٍ على الأخضر الذي كان قريباً من تحقيق فوزٍ مدوٍّ، لكنّه عكَس في الوقت ذاته الضغط الهائل الذي مارسه المنتخب الأوروغوياني طوال شوطٍ كامل.
صمودٌ حتى النهاية
لم ينهَر المنتخب السعودي بعد هدف التعادل، بل حافظ على تماسكه الدفاعي ونظّم صفوفه لصدّ المحاولات الأخيرة لأوروغواي، وعلى رأسها تسديدة فالفيردي الخطيرة في الوقت المحتسب بدل الضائع التي تصدّى لها العويس. وبهذا الصمود، خرج الأخضر بنقطةٍ ثمينةٍ من مواجهةٍ كانت تبدو على الورق أصعب بكثير.
بييلسا وأوروغواي… سيطرةٌ بلا فعالية
دخل منتخب أوروغواي اللقاء بقيادة مدرّبه الأرجنتيني المخضرم مارسيلو بييلسا، صاحب الفلسفة الهجومية المعروفة، وفرض سيطرةً شبه كاملةً على الكرة وأنهى المباراة بأكثر من سبعٍ وعشرين تسديدة. لكنّ هذه السيطرة لم تترجَم إلى فعاليةٍ تهديفيةٍ إلا في مناسبةٍ وحيدة، بفضل التنظيم الدفاعي السعودي وتألق العويس بين القائمين. ولم يتحسّن أداء «السيليستي» إلا في الشوط الثاني عقب خروج المهاجم داروين نونيز، حين رفعت أوروغواي من نسق ضغطها بحثاً عن التعادل الذي أدركته متأخّراً عبر أراوخو.
وأقيمت المباراة على ملعب «هارد روك» بمدينة ميامي بحضورٍ جماهيريٍّ غفيرٍ تجاوز اثنين وستين ألف متفرّج، في أجواءٍ حماسيةٍ ساندت المنتخب السعودي الذي حظي بدعمٍ عربيٍّ لافت. وأثبت الأخضر مجدداً أنه قادرٌ على الصمود أمام منتخباتٍ تملك خبرة بطولات العالم، تماماً كما فعل في نسخة قطر السابقة حين أطاح بالأرجنتين.
حسابات المجموعة الثامنة
تُبقي هذه النتيجة المجموعة الثامنة مفتوحةً على كل الاحتمالات، إذ يتقاسم المنتخبان السعودي والأوروغوياني الصدارة مع إسبانيا والوافد الجديد منتخب الرأس الأخضر، الذي فاجأ الجميع بانتزاعه نقطةً من بطلة أوروبا إسبانيا في الجولة ذاتها. وضعٌ يجعل كل نقطةٍ ثمينةً بالنسبة للأخضر في صراعٍ يُتوقّع أن يبقى محتدماً حتى الجولة الأخيرة، ويضاعف من أهمية التعادل الذي حقّقه أمام منتخبٍ بحجم أوروغواي.
خاتمة: انطلاقةٌ تُبشّر بالخير
يمثّل هذا التعادل بدايةً مثاليةً لمشوار المنتخب السعودي في كأس العالم 2026، ويؤكّد أن الأخضر بات رقماً صعباً في المحافل الكبرى، تماماً كما أثبت في نسخة قطر 2022 حين أطاح بمنتخب الأرجنتين. وتُبقي هذه النتيجة حظوظ السعودية في التأهل قائمةً ومفتوحةً على كل الاحتمالات في مجموعةٍ متوازنةٍ تضمّ كذلك إسبانيا والوافد الجديد الرأس الأخضر. وعلى لاعبي الأخضر الآن البناء على هذا الأداء المشرّف في الجولات المقبلة، مع الحفاظ على روح القتال نفسها التي ميّزت مباراة الافتتاح.
