رسمت أسود الأطلس ليلةً ذهبيةً جديدة في تاريخ الكرة المغربية. ففي ملعب مونتيري بولاية غوادالوبي المكسيكية، يوم الثلاثين من يونيو 2026، أطاح المنتخب المغربي بـهولندا من دور الأفضل ستة وثلاثين بعد مباراةٍ استثنائية انتهت بالتعادل 1-1 في الوقت الأصلي والإضافي، ثم حُسمت بركلات الترجيح بنتيجة 3-2 لصالح المغرب. هكذا بات المنتخب الوطني المغربي أول منتخبٍ عربي وأفريقي يبلغ دور الثمانية في هذه النسخة التاريخية من مونديال 2026، ليؤكد أنه قادمٌ بإرادةٍ لا تُكسر.

المغرب يهاجم وفيربروغن يحرس.. وحكيمي يضرب العارضة

دخل المنتخب المغربي الذي يقوده المدرب محمد وهبي بتشكيلٍ هجومي مركّب، مستعيناً بـنيل العيناوي وأيوب بوعدي في الوسط، وبرباعيٍّ هجومي حاشدٍ هو صيباري وبراهيم دياز وأوناحي والخنوس. ومنذ الدقائق الأولى بدت نوايا المغرب واضحةً في اقتحام الثلث الأخير بدلاً من انتظار الخصم. في الدقيقة الثانية والخمسين جاءت أخطر اللحظات المغربية في الشوط الأول: أطلق أشرف حكيمي تسديدةً قوية من مسافةٍ بعيدة اصطدمت بالعارضة العلوية وعادت دون هدف، في مشهدٍ أوجع الجماهير المغربية الغفيرة. لكن الحارس الهولندي فيربروغن كان هو الآخر يصنع مواقف استثنائية مُبكرة حالت دون تحوّل الهيمنة المغربية إلى تقدّمٍ رقمي.

استمرت المباراة في شدّها الشديد بين هجوم مغربي طموح ودفاعٍ هولندي صامد، وانتهى الشوط الأول بتعادلٍ سلبي أقلّ ما يقال عنه إنه أقلّ من اللائق بجهد المغاربة.

غاكبو يقلب الموازين في الدقيقة 72

فتح الشوط الثاني أمام هولندا فرصةً للاستيقاظ، فاستغلّها بالطريقة المثلى. في الدقيقة الثانية والسبعين، أطلق كودي غاكبو تسديدةً رائعة وجدت طريقها إلى الشبكة ليُقلب ميزان المباراة لصالح البرتقالي. الهدف فاجأ المغرب وكثيراً من المتابعين الذين كانوا يرون الهجوم الكبير قادماً من الجهة الأخرى. لبضع دقائق بدت هولندا تتجه نحو التأهل بيُسر، فيما تسارعت خطوات الوقت وتقلّصت الخيارات أمام المغاربة.

الطالبي وديوب يصنعان المعجزة في 90+1

لكنّ كرة القدم لا تُكتب نهايتها قبل الصافرة الأخيرة. في الدقيقة السابعة والثمانين أدخل المدرب محمد وهبي شمس الدين الطالبي لاعب سندرلاند بديلاً عن الخنوس، ولم يحتج ذلك اللاعب طويلاً ليُثبت أن دخوله لم يكن بالصدفة. في الدقيقة الأولى من الوقت البدل، رفع الطالبي كرةً عرضية متقنة إلى منطقة الجزاء الهولندي وجدت المهاجم عيسى ديوب يرتفع بثقةٍ ويُسدّد برأسه في الزاوية لتنفجر المدرجات صراخاً ودموعاً وابتهاجاً. هدف التعادل في اللحظة التي أيأست الجميع — هذا هو مغرب وهبي.

مطولات ورحيمي يبتلعه فيربروغن

امتدّت المباراة إلى الأوقات الإضافية وكلا الفريقين يحمل تعب المباراة وأثقال الضغط النفسي. في الدقيقة السادسة والتسعين أطلق أيوب رحيمي تسديدةً كادت تُحسم المسألة لصالح المغرب، لولا تصديةٌ استثنائية من فيربروغن الذي أبدى بطولةً فردية حقيقية في هذه الليلة. بقيت المباراة في مكانها ووصلت لحظة الحقيقة: ركلات الترجيح.

بونو البطل.. وصيباري يُنهي الحلم الهولندي

في دائرة الركلات، أبدى ياسين بونو حضوراً أسطورياً استحضر معه ذكريات قطر 2022. أخفق الهولنديون في ثلاث ركلاتٍ من خمسٍ؛ تعثّر جاستن كلوفيرت وأرسل ركلته بعيداً، ثم أتى كوينتن تيمبر بركلةٍ أخطأت الهدف، وأنقذ بونو ركلة كريسنسيو سومرفيل في إنجازٍ مفصلي. في المقابل، أخطأ أشرف حكيمي ركلته الوحيدة ليضغط على أعصاب الجميع. لكن مع بقاء ركلةٍ أخيرة، تقدّم إسماعيل صيباري بهدوء الواثق من نفسه وأرسل الكرة في الشبكة بدقةٍ وإصرار، لتنفجر البهجة المغربية في مونتيري وعبر قارةٍ كاملة. التأهل تحقّق، والتاريخ كُتب.

بعد المباراة صرّح عزيز مزراوي: «آمنّا حتى النهاية» — وهو في كلماتٍ بسيطة ملخّصٌ لروح هذا المنتخب الذي يرفض الاستسلام.

المغرب في الثمانية: موعدٌ مع كندا

يواصل أسود الأطلس مسيرتهم في مونديال 2026 محمّلين بطاقةٍ وزخمٍ لا يُستهان بهما. يواجهون في دور الثمانية كندا، المنتخب الذي تأهّل بدوره بهدفٍ قاتل في اللحظة الأخيرة. مواجهةٌ أمريكية شمالية أفريقية تعِد بليلةٍ لا تُنسى. والمغرب الذي أسقط إسبانيا في قطر، وأسقط هولندا في المكسيك، يمضي مؤمناً بأن الحدود لا وجود لها لمن يؤمن.