في ملعب إيه تي آند تي بمدينة دالاس التكساسية، التقى منتخبا النرويج وساحل العاج في مواجهةٍ من الطراز الأول كان يرقبها المتابعون بشغفٍ استثنائي، إذ حملت في طيّاتها الكثير من التوقّعات والرهانات المتباينة. فمن جهةٍ، النرويج وقائدها إيرلينغ هالاند العطشان إلى الإنجاز، ومن الجهة الأخرى ساحل العاج التي خاضت دور الإقصاء المباشر للمرة الأولى في تاريخها الكروي الحافل. انتهت المباراة بفوز النرويج بنتيجة 2-1، غير أنها لم تخلُ من المفاجآت والانقلابات التي جعلت المتابع يعيش حالةً من التوتر الشديد حتى الصافرة الأخيرة.

نوسا يفجرها بتسديدة صاروخية في الدقيقة 39

سيطرت النرويج في البداية على إيقاع المباراة، مستعينةً بالهجوم المنظّم والتمريرات السريعة في الخطوط الوسطى. كان مارتن أوديغارد قائدَ فريق آرسنال ومنسّق المنتخب النرويجي المحرّكَ الأساسيَّ خلف هذا الإيقاع، إذ أحكم ربط خطوط اللعب بتمريراتٍ دقيقة وشرائح حركية ذكية. وفي الدقيقة التاسعة والثلاثين، تجمّع كل شيء في لحظةٍ واحدة: رصد أوديغارد أنطونيو نوسا على حافة المنطقة في وضعيةٍ مثالية، فأرسل إليه كرةً مضبوطة بدقة متناهية. وما إن لمست القدم النرويجية الكرة حتى انطلقت تسديدةٌ صاروخية اخترقت الهواء واستقرّت في الشبكة دون أن يجد الحارس الإيفواري مهرباً من استقبالها. هدفٌ جمع بين الصناعة الراقية والتنفيذ المدهش، رسم على وجوه الجماهير النرويجية ابتساماتٍ عريضة في دالاس.

انتهى الشوط الأول بتقدّمٍ نرويجي معقول، وبحضورٍ إيفواري لافت مبكراً على شكل ركنياتٍ متتالية كشف عن رغبةٍ حقيقية في قلب الموازين بالكرات الثابتة والضغط الجانبي. لم يكن حضور ساحل العاج في الشوط الأول هجومياً خالصاً، بل كان بناءً تدريجياً ومعرفةً دقيقة بطبيعة الخصم.

ديالو يبهر الجميع: سجّل بعد خروجه

دخل الشوط الثاني وساحل العاج تبحث عن مخرجٍ من المأزق. وعلى غير توقّع، كان المدرب الإيفواري قد أخرج أماد ديالو من الملعب في الدقيقة الستين ليُدخل عنصراً جديداً، لكن الواقعة ستُسطَّر في السجلات الكروية بصورةٍ استثنائية. ففي الدقيقة الرابعة والسبعين، صنع نيكولاس بيبي كرةً مثاليةً غافلت الدفاع النرويجي، فوجدها ديالو — الذي كان قد دخل بديلاً ثم خرج — ليُسجّل هدف التعادل بلمسةٍ نظيفة لا تُردّ. الحدث أربك الفهم البسيط للعبة؛ هل دخل ثم خرج ثم سجّل؟ التفاصيل ستُكشف لاحقاً، لكنّ التقييم الذي منحه المراقبون 9.2 لديالو عكس حجم ما قدّمه هذا اللاعب طوال مشاركته على أرض الملعب. وبعد هدف التعادل، تحوّل الأمر إلى اشتباكٍ حقيقي بين فريقين متكافئَين في الرغبة والقراءة التكتيكية.

استيقظت الجماهير الإيفوارية في مدرّجات دالاس وعاودت الإيمان بأن المستحيل ممكن، فيما بدت النرويج وقد أصابها شيءٌ من التردّد الذي يُضعف التركيز في المنافسات الكبرى.

هالاند يحسم: الهدف الستون في الدقيقة 86

لم تطل لحظة الترقّب؛ في الدقيقة السادسة والثمانين، حصد إيرلينغ هالاند ثمرةَ صبره وانتظاره بهدفٍ كان ينتظره الجميع منذ ارتدى القميص النرويجي في هذا المونديال. أتت الكرة من صناعة باتريك بيرغ، وأتمّها هالاند بالطريقة التي اشتُهر بها: وضعيةٌ مثالية، تحكّمٌ في اللحظة، وتسديدةٌ لا تعرف الرحمة. الهدف هو السادس والستون في مسيرته مع المنتخب النرويجي، إنجازٌ يُثبّت اسمه في الذاكرة النرويجية كواحدٍ من أعظم الهدّافين في تاريخ الكرة الإسكندنافية. الملعب انفجر باحتفالٍ عارم، وساحل العاج عادت إلى نقطة الصفر مجدّداً في غضون دقائق.

حاولت الأفيال استدراك الوضع في الدقائق المتبقية، مستعينةً بإحصاءٍ لافت بلغ 12 ركنيةً مقابل 3 للنرويج طوال المباراة، مما يعكس طبيعة سيطرتها الجانبية وضغطها المستمر. لكن الوقت لم يكن حليفاً لها، وصافرة الحكم أنهت الحلم قبل أن يتحوّل إلى واقع.

ساحل العاج تودّع بتاريخٍ يُكتب للمرة الأولى

رحلت ساحل العاج عن البطولة بعد أن حقّقت ما لم يكن يتخيّله كثيرون قبل انطلاق البطولة: التأهّل إلى الأدوار الإقصائية في كأس العالم للمرة الأولى في تاريخها. هذا وحده يكفي لرسم ابتسامةٍ راضية على وجه مشجّعيها. وأثبتت الأفيال أن لديها منتخباً قادراً على المنافسة مع أفضل المنتخبات الأوروبية، وأن أماد ديالو ورفاقه ليسوا مجرد ضيوف شرف، بل لاعبون حقيقيون يصنعون الفارق ويغيّرون مسار المباريات. المستقبل يبدو مشرقاً لهذا الجيل الإيفواري الذي أراد كثيراً وأعطى أكثر مما أُعطي.

النرويج في دور الثمانية: موعد البرازيل الكبير

تتقدّم النرويج إلى دور الثمانية بزخمٍ انتصاري وهالاند يحمل ثقل توقّعاتٍ عالية. ينتظر المنتخب الاسكندنافي مواجهة البرازيل في مدينة نيويورك يوم الأحد الخامس من يوليو، في واحدةٍ من أضخم المواجهات التي شهدتها هذه النسخة من البطولة. السيليساو الصفراء التي تعثّرت أمام اليابان قبل أن ينقذها مارتينيلي، في مواجهة مع الفايكينغ الذي أبدى حضوراً هجومياً لافتاً. الإحصاءات تقول إن النرويج مسّكت بـ54% استحواذاً في مباراة ساحل العاج، وإن تنظيمها ودقّة أوديغارد وحدّة هالاند يُشكّلون تهديداً حقيقياً حتى لأعرق المنتخبات. نيويورك ستشهد قمةً حقيقية، وكأس العالم 2026 يواصل تقديم الحكايا المثيرة.