المدرب الفرنسي هيرفي رينار المدير الفني الجديد للمنتخب التونسي في مونديال 2026

في خطوةٍ مفاجئةٍ وغير مسبوقةٍ في تاريخ كأس العالم، قرّرت الجامعة التونسية لكرة القدم إقالة مديرها الفني الفرنسي صبري لاموشي، وإسناد المهمة إلى مواطنه هيرفي رينار لاستكمال مشوار «نسور قرطاج» في مونديال 2026. قرارٌ جاء كالصاعقة بعد الهزيمة الثقيلة التي تجرّعها المنتخب التونسي في افتتاح مشواره، ليفتح فصلاً جديداً مليئاً بالتحديات في مغامرةٍ بدأت بأسوأ السيناريوهات.

زلزال الـ«خماسية» أمام السويد يُطيح بلاموشي

كانت شرارة الأزمة الخسارة المدوّية التي مُني بها المنتخب التونسي أمام نظيره السويدي بنتيجةٍ ثقيلةٍ قوامها خمسة أهدافٍ مقابل هدفٍ وحيد، في المباراة التي جرت يوم الرابع عشر من يونيو على ملعب مدينة مونتيري المكسيكية ضمن الجولة الأولى من منافسات المجموعة السادسة. نتيجةٌ قاسيةٌ هزّت أركان المنتخب وأثارت موجةً عارمةً من الغضب في الشارع الرياضي التونسي.

ولم تكن الخسارة وحدها سبب الإطاحة بلاموشي، إذ تشير التقارير إلى أن حالةً من التوتر والاضطراب سادت غرفة خلع الملابس، وتفاقمت الخلافات بين المدرّب من جهةٍ والجامعة وبعض اللاعبين من جهةٍ أخرى. هذا المناخ المشحون، مضافاً إليه ثقل الهزيمة، عجّل بقرار إنهاء مهام لاموشي الذي لم يكن قد أمضى في منصبه سوى أشهرٍ قليلةٍ منذ تعيينه مطلع العام.

سابقةٌ تاريخيةٌ: أول إقالةٍ بعد مباراةٍ واحدة في تاريخ المونديال

يحمل هذا القرار طابعاً استثنائياً يدخله سجلّات كأس العالم، إذ تُعدّ هذه المرة الأولى في تاريخ مونديال الرجال التي يُقال فيها مديرٌ فنيٌّ بعد خوض مباراةٍ واحدةٍ فقط في البطولة. فلم يسبق لأي اتحادٍ كرويٍّ أن أقدم على خطوةٍ بهذه الجرأة في عزّ المنافسات، ما يعكس حجم الصدمة التي خلّفتها نتيجة المباراة الأولى وحجم الرهان التونسي على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتحرّكت الجامعة التونسية بسرعةٍ قياسيةٍ لتدارك الموقف، إذ لم تكتفِ بإقالة لاموشي بل حسمت ملف خليفته في غضون ساعاتٍ قليلة، إدراكاً منها لضيق الوقت وحساسية المرحلة المقبلة في البطولة.

رينار… الرجل المناسب للمهمات الصعبة

لم يكن اختيار هيرفي رينار اعتباطياً، فالمدرّب الفرنسي البالغ من العمر سبعةً وخمسين عاماً يُعدّ من أكثر المدرّبين خبرةً في التعامل مع المنتخبات الأفريقية والعربية، ويملك سجلّاً حافلاً بالإنجازات في القارة السمراء. وقد سارع رينار إلى الوصول إلى مدينة مونتيري لمباشرة مهامه فوراً وقيادة أولى حصصه التدريبية مع «نسور قرطاج»، في مؤشّرٍ على جدّية المهمة وضيق الوقت المتاح.

ويُعرف رينار بقدرته على بثّ الروح القتالية في المنتخبات وتحقيق نتائج مفاجئة، وهو ما تأمله الجامعة التونسية في هذه اللحظة الحرجة. كما أبقت الجامعة على الإطار المساعد، وعلى رأسه نجم الكرة التونسية السابق وهبي الخزري الذي كان مساعداً للاموشي، ضماناً لحدٍّ أدنى من الاستقرار في ظلّ التغيير المفاجئ.

ثلاث نسخٍ متتاليةٍ مع ثلاثة منتخباتٍ مختلفة

يدخل هيرفي رينار التاريخ من بابٍ خاصٍّ مع هذا التعيين، إذ ستكون نسخة 2026 هي مشاركته الثالثة على التوالي في كأس العالم، وفي كل مرةٍ مع منتخبٍ مختلف. فقد قاد المنتخب المغربي في مونديال روسيا 2018، ثم أشرف على المنتخب السعودي في مونديال قطر 2022، حيث صنع واحدةً من أكبر مفاجآت تلك النسخة بتغلّبه على منتخب الأرجنتين في مباراة الافتتاح. واليوم يحطّ الرحال مع المنتخب التونسي في مونديال 2026، في رحلةٍ ثالثةٍ تحمل الكثير من رمزية الخبرة والتحدّي.

ولا يقتصر سجلّ رينار على كأس العالم، فالرجل سبق أن توّج بلقب كأس الأمم الأفريقية مرتين مع منتخبَين مختلفَين، هما زامبيا عام 2012 وكوت ديفوار عام 2015، ليكون أول مدرّبٍ يحقّق هذا الإنجاز النادر. كما خاض تجربةً في تدريب منتخب السيدات الفرنسي. هذه الحصيلة الثرية هي ما دفع تونس إلى وضع ثقتها فيه لاستكمال مشوارٍ بدأ متعثّراً.

ما الذي ينتظر رينار في المهمة التونسية؟

تنتظر هيرفي رينار مهمةٌ بالغة الصعوبة في ما تبقّى من مباريات الدور الأول، إذ سيقود المنتخب التونسي في مواجهتين مصيريتين أمام اليابان ثم هولندا في الجولة الأخيرة من دور المجموعات. مواجهتان لا تقبلان القسمة على اثنين، يحتاج فيهما «نسور قرطاج» إلى انتفاضةٍ حقيقيةٍ لإنعاش حظوظهم في التأهل بعد بدايةٍ كارثية.

والتحدّي الأكبر أمام رينار هو إعادة بناء الثقة والانسجام داخل المجموعة في وقتٍ قياسيٍّ لا يتجاوز أياماً معدودة، ومعالجة الهشاشة الدفاعية التي ظهرت بوضوحٍ أمام السويد. فالمهمة لا تتعلّق بالجوانب التكتيكية وحدها، بل بإعادة الروح المعنوية إلى لاعبين تلقّوا ضربةً نفسيةً قاسيةً في مستهل المشوار.

سجلٌّ أفريقيٌّ يندر تكراره

يحمل هيرفي رينار في جعبته سجلّاً نادراً في كرة القدم الأفريقية، إذ يُعدّ المدرّب الوحيد الذي توّج بلقب كأس الأمم الأفريقية مع منتخبَين مختلفَين؛ الأول مع زامبيا عام 2012 في مفاجأةٍ مدوّيةٍ، والثاني مع كوت ديفوار عام 2015. وقد منحه هذا الإرث القارّي معرفةً عميقةً بعقلية اللاعب الأفريقي وأساليب تحفيزه، وهي ميزةٌ راهنت عليها الجامعة التونسية في خطوتها الأخيرة. كما خاض رينار تجربةً مختلفةً حين أشرف على منتخب السيدات الفرنسي في مونديال 2023، وبلغ به الدور ربع النهائي.

وعلى صعيد كأس العالم للرجال، تبقى تجربته الأبرز مع المنتخب السعودي في قطر 2022، حين هزم الأرجنتين بطلة العالم لاحقاً في مباراة الافتتاح، في واحدةٍ من أكبر المفاجآت في تاريخ البطولة. أما تجربته الأولى مع المغرب في روسيا 2018 فكانت أقلّ توفيقاً من حيث النتائج، إذ ودّع الدور الأول بتعادلٍ وحيدٍ وخسارتين، لكنّه ترك بصمةً في إرساء أسس جيلٍ مغربيٍّ تألق لاحقاً في المحافل الكبرى.

وضعٌ معقّدٌ في المجموعة السادسة

يجد رينار نفسه أمام معادلةٍ حسابيةٍ قاسيةٍ في المجموعة السادسة، إذ يحتلّ المنتخب التونسي المركز الأخير بعد الخسارة الثقيلة أمام السويد، ويحتاج إلى نتائج إيجابيةٍ في مباراتَيه المقبلتين أمام اليابان وهولندا لإبقاء حظوظه في التأهل قائمةً ولو نظرياً. مهمةٌ لا تتطلّب إصلاحاً تكتيكياً فحسب، بل معجزةً في رفع المعنويات وإعادة ترتيب البيت الداخلي في غضون أيامٍ معدودة.

خاتمة: رهانٌ على الخبرة في مواجهة الزمن

بهذا القرار الجريء، تراهن تونس على خبرة هيرفي رينار وكاريزماه لإنقاذ مونديالٍ بدأ بأسوأ مما كان متوقّعاً. وبينما يبقى التأهل أمراً صعب المنال في ظل الظروف الراهنة، فإن استعادة الكرامة وتقديم وجهٍ مشرّفٍ في المباراتين المقبلتين هو الحدّ الأدنى المطلوب لإرضاء جماهيرٍ تونسيةٍ غاضبة. الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان «الساحر الفرنسي» قادراً على تكرار معجزاته السابقة، أم أن الزمن الضيّق والظروف الصعبة ستكون أقوى من خبرته. مهمةٌ شاقّةٌ، لكنّها ليست مستحيلةً على رجلٍ اعتاد المهمات الصعبة.