حين تنطلق صافرة البداية في إحدى مباريات البطولة الأعرق في إسبانيا، يتغيّر المشهد فوراً. لا يعود الفارق بين ناد من النخبة وآخر قادم من أعماق الهرم الكروي مضموناً، كما توحي به الأسماء واللافتات. تكفي تسعون دقيقة واحدة لا تقبل التصحيح، كي ينقلب كل شيء رأساً على عقب. ومن هنا بالضبط تستمد كأس الملك سحرها الخاص لدى الجمهور العربي والمغربي، الذي تعوّد متابعة الليغا أسبوعياً. فهي المسابقة التي تمنح فرق المدن الصغيرة ليلة واحدة، قد تختصر تاريخها كله.
يستعد عشاق الكرة الإسبانية لانطلاق موسم جديد، لم تبدأ فصوله بعد. ويبقى من المفيد العودة إلى الأساس: ما هي كأس الملك بالضبط؟ كيف يخوضها الفرق اليوم؟ ومن يهيمن على سجلها الذهبي؟ وما الذي يجنيه الفائز بها؟ هذا التقرير يجيب عن هذه الأسئلة. يعتمد على المعطيات الرسمية للاتحاد الإسباني لكرة القدم، وعلى ما نقلته وكالات الأنباء الكبرى.
كأس الملك: مسابقة سبقت الدوري بربع قرن
تأسست المسابقة سنة 1903. وهذا يجعلها أقدم منافسة كروية إسبانية على المستوى الوطني. سبقت انطلاق الدوري الإسباني بنحو خمسة وعشرين عاماً كاملة. وفي سنواتها الأولى، شكّلت البطولة الإسبانية الفعلية. كانت الأندية تتأهل إليها عبر بطولاتها الجهوية. ثم تغيّر هذا الوضع مع تأسيس الليغا سنة 1928. تحوّلت الكأس عندها إلى مسابقة موازية، تخوضها الفرق بنظام خروج المغلوب.
يعكس تغيّر اسم هذه البطولة أكثر من مرة ارتباطها بتقلبات التاريخ الإسباني نفسه. حملت اسم “كأس رئيس الجمهورية” بين 1932 و1936. ثم حمل الإسبان اسمها “كأس الجنراليسيمو” بين 1939 و1976. واستعادت بعدها تسميتها الملكية المعروفة اليوم. وبلغت نسخة موسم 2025-2026 الرقم 124 في تاريخ المسابقة. ينظم الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم هذه المسابقة. وتخوضها الفرق حالياً تحت اسم تجاري، مرتبط براعيها الرسمي.
نظام المنافسة: مباراة واحدة تكفي لصناعة التاريخ
يعتبر متابعو الكرة نظام كأس الملك من أكثر الأنظمة إثارة في أوروبا. يشارك فيها ما يقارب مئة وعشرين نادياً، موزعة على مختلف مستويات الهرم الكروي الإسباني. تبدأ المشاركة من أندية الليغا، وتصل إلى فرق الأقسام الجهوية. والأهم أن الفرق تحسم كل الأدوار في مباراة واحدة فقط. ويشكّل نصف النهائي الاستثناء الوحيد، إذ يخوضه الفريقان ذهاباً وإياباً. وهذا يجعل هامش الخطأ لدى الأندية الكبرى شبه معدوم.
تزداد صعوبة المهمة على العمالقة، بسبب قاعدة أساسية. تقضي هذه القاعدة بأن يستضيف الفريق الأدنى تصنيفاً المواجهة على ملعبه. وتحسم الأشواط الإضافية وركلات الترجيح المباريات التي تنتهي بالتعادل. وأدخل الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم تعديلات إضافية اعتباراً من موسم 2025-2026. أصبح الفريقان يخوضان الدور التمهيدي بمباراتين ذهاباً وإياباً. واعتمد الاتحاد أيضاً معيار القرب الجغرافي في تحديد المواجهات، خلال الدورين الأول والثاني. أما النهائي فتلعبه الفرق في مباراة واحدة على أرض محايدة. واستقر منذ نسخة 2019-2020 في ملعب لا كارتوخا بمدينة إشبيلية.
ليلة إشبيلية: ريال سوسيداد يخطف اللقب من قبضة أتلتيكو
شهد الثامن عشر من أبريل 2026 واحدة من أكثر النهائيات درامية في السنوات الأخيرة. تفوق ريال سوسيداد على أتلتيكو مدريد بركلات الترجيح 4-3، بعد تعادل مثير 2-2 امتد إلى الأشواط الإضافية. وبدأت المباراة بصدمة مبكرة. سجل أندير بارينيتشيا هدف السبق برأسية، بعد أربع عشرة ثانية فقط من انطلاق اللقاء. ثم أعاد أديمولا لوكمان التوازن في الدقيقة التاسعة عشرة، بتمريرة من أنطوان غريزمان.
أعاد القائد ميكيل أويارسابال فريقه إلى الصدارة، من ركلة جزاء في الوقت بدل الضائع للشوط الأول. وانتظر أتلتيكو حتى الدقيقة الثالثة والثمانين. أدرك خوليان ألفاريس التعادل حينها، بتسديدة قوية استقرت في الزاوية العليا. وفي سلسلة الترجيح، تألق الحارس أوناي ماريرو بالتصدي لركلتين. ومنح بابلو مارين اللقب لناديه بركلته الحاسمة. وقال بابلو لقناة “آر تي في إي” الإسبانية إن التتويج مع فريق حياته أعظم ما كان يمكن أن يحلم به.
ومن المفارقات اللافتة أن الفريقين نفسيهما التقيا في نهائي 1987. انتهت المواجهة حينها بالنتيجة ذاتها وبالسيناريو ذاته، لصالح الفريق الباسكي. وظل أتلتيكو مدريد، بقيادة دييغو سيميوني، ينتظر لقباً في هذه المسابقة منذ 2013. أما المدرب الأمريكي بيليغرينو ماتاراتسو، الذي تسلم القيادة في ديسمبر والفريق يحوم فوق منطقة الهبوط، فقد أنهى الموسم بلقب في خزائن النادي.
برشلونة على القمة وأتلتيك بلباو في المطاردة
يتصدر برشلونة سجل المتوجين بلا منازع، برصيد اثنين وثلاثين لقباً. وهو رقم قياسي عزّزه الفريق الكاتالوني بفوزه في نهائي 2025 على ريال مدريد، بثلاثة أهداف مقابل هدفين. ويحل أتلتيك بلباو ثانياً برصيد أربعة وعشرين لقباً، وفق السجل الرسمي للاتحاد الإسباني. وترفع بعض المصادر الرقم إلى خمسة وعشرين، بسبب خلاف تاريخي حول نسخة 1902 التي لا يعترف بها الاتحاد رسمياً.
ويأتي ريال مدريد في المركز الثالث بعشرين لقباً. يتبعه أتلتيكو مدريد بعشرة ألقاب، ثم فالنسيا بثمانية. أما ريال سوسيداد فرفع رصيده بعد نسخة 2026 إلى أربعة ألقاب، بحسب أغلب المصادر الإعلامية. وتحتسب له بعض السجلات الرسمية ثلاثة فقط، لأن نسخة 1909 فاز بها لاعبوه تحت اسم نادٍ آخر. وأسّس هؤلاء اللاعبون النادي رسمياً في وقت لاحق من السنة نفسها.
ماذا يربح الفائز بـكأس الملك؟
لا يقتصر مردود التتويج على المجد المحلي فحسب. يضمن البطل مقعداً مباشراً في دوري أوروبا للموسم الموالي. ويمثل هذا طريقاً قصيراً نحو المنافسات القارية، بالنسبة لأندية لا تملك ميزانيات تسمح لها بمنافسة الكبار على مقاعد الليغا الأوروبية. وإن كان الفائز قد ضمن التأهل الأوروبي عبر ترتيبه في الدوري، ينتقل المقعد إلى الفريق الأعلى ترتيباً الذي لم يتأهل بعد.
وإلى جانب ذلك، يتأهل البطل والوصيف معاً إلى كأس السوبر الإسباني. يقام هذا السوبر منذ نسخة 2019-2020 بمشاركة أربعة فرق. ويمنح ذلك حتى الخاسر في النهائي فرصة ثانية للظفر بلقب في الموسم الموالي. ولهذا السبب تحديداً، لم تعد الأندية الكبرى تتعامل مع الكأس بوصفها منافسة ثانوية، كما كان الحال في عقود سابقة.
أرقام وحكايات من ذاكرة كأس الملك
تختزن هذه البطولة أرقاماً يصعب تكرارها. لا يزال تيلمو ثارا هدافها التاريخي، بواحد وثمانين هدفاً. ويحتفظ ليونيل ميسي بأكثر من رقم قياسي، بينها تسعة أهداف في المباريات النهائية وعشر مشاركات في نهائي المسابقة. أما رقم سبعة ألقاب فردية، فيتقاسمه خمسة لاعبين، من بينهم جيرارد بيكيه وسيرخيو بوسكيتس وميسي نفسه.
وللمجسم الفضي حكايته أيضاً. يزن خمسة عشر كيلوغراماً، ويبلغ ارتفاعه خمسة وسبعين سنتيمتراً. صنعه الاتحاد سنة 2011، بعد أن احتفظ إشبيلية بالمجسم السابق. ومن الطرائف الشهيرة أن سيرخيو راموس أسقط الكأس من أعلى حافلة الاحتفال، في تلك السنة نفسها، فمرت فوقها العجلات. ثم استعاد رجال الإنقاذ أشلاءها من ساحة سيبيليس في مدريد.
موسم جديد على الأبواب
مع اقتراب انطلاق نسخة 2026-2027، يدخل ريال سوسيداد الموسم بصفته حامل اللقب. ويترقب أتلتيكو مدريد فرصة الثأر. ويسعى برشلونة إلى توسيع الفارق في صدارة السجل التاريخي. غير أن تجربة السنوات الماضية تؤكد أن هذه المسابقة نادراً ما تحترم الترشيحات المسبقة. وهذا يجعل موعد كأس الملك السنوي مناسبة ينتظرها عشاق الكرة الإسبانية في المغرب والعالم العربي، بالقدر نفسه الذي ينتظرون به قمم الدوري.
