قبل أسابيع من انطلاق الدوري الإيطالي، تستيقظ الكرة الإيطالية من باب جانبي. قلّما يلتفت إليه المشاهد العربي. ملاعب متواضعة في مدن مثل فيتشنزا وأريتسو وبينيفينتو تستضيف أولى المباريات. أندية من الدرجتين الثانية والثالثة تخوض هذه المواجهات تحت حرارة أغسطس. هذا الباب اسمه كأس إيطاليا. تنطلق المسابقة من أطراف الخريطة الكروية، بين أندية لا يكاد يعرفها أحد خارج مدنها. وتنتهي بعد تسعة أشهر تحت أضواء ملعب الأولمبيكو في روما، بين اثنين من عمالقة الكالتشيو.
يمتد الدوري موسماً كاملاً، ويكافئ الثبات والتراكم. أما هذه البطولة فتقوم على منطق معاكس تماماً. تكفي تسعون دقيقة سيئة كي يخرج فريق كبير من المنافسة. الخصم؟ نادٍ من الدرجة الثانية لا يملك عُشر ميزانيته. في ما يلي دليل مفصّل ومحدّث لتاريخ كأس إيطاليا، وصيغتها الحالية، ومكافآتها، وسجل ألقابها، وأبرز أرقامها القياسية.
من مسابقة على الهامش إلى موعد سنوي راسخ
انطلقت النسخة الأولى عام 1922 في ظرف استثنائي. كانت الكرة الإيطالية منقسمة حينها بين اتحادين متنافسين. سعى الاتحاد الإيطالي لكرة القدم إلى إنقاذ موسمه، بعدما غادرته الأندية الكبرى نحو بطولة منشقة. وأحرز نادي فادو المتواضع اللقب الأول، وهذا يبقى إلى اليوم واحدة من أطرف مفارقات هذه المسابقة. لكن الاستمرارية لم تكن حليفتها في بداياتها. ألغى الاتحاد نسخة 1926-1927 وهي في دور الـ32، ولم يفز أحد بلقبها. لم تعد المنافسة بانتظام إلا في موسم 1935-1936. ثم أوقفتها الحرب العالمية الثانية بعد موسم 1942-1943.
ولم تعد المسابقة إلى الحياة فعلياً إلا عام 1958. أعاد الاتحاد إحياءها في صيغتها الحديثة، بكأسها الحالية وبالشارة الدائرية (الكوكاردة) التي يحملها حامل اللقب على قميصه طوال الموسم التالي. وكان الدافع المباشر آنذاك تحديد ممثل إيطاليا في كأس الكؤوس الأوروبية الوليدة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تنقطع البطولة. غيّر الاتحاد صيغتها مراراً بين مجموعات نهائية وأدوار إقصائية مباشرة، إلى أن استقرت على شكلها المعروف اليوم. وبحسب الأرقام المنشورة على الموقع الرسمي لرابطة الدوري الإيطالي، خاضت الأندية 79 نسخة من كأس إيطاليا. وحصد الفائزون 78 لقباً فقط بسبب النسخة الملغاة. أما نسخة 2026-2027 فستكون الثمانين في تاريخ المسابقة.
كيف تسير كأس إيطاليا في صيغتها الحالية؟
تضم النسخة الحالية 44 نادياً، موزّعة على سبعة أدوار. وتقوم فلسفتها على سلّم دخول متدرّج، يمنح الأندية الكبرى راحة طويلة قبل الالتحاق بالركب. أقام الاتحاد الدور التمهيدي هذا الموسم يوم 9 أغسطس 2026. يخص هذا الدور ثمانية أندية فقط من الدرجتين الثانية والثالثة. ثم ينضم في الدور الأول باقي أندية الدرجة الثانية، إلى جانب اثني عشر نادياً من الدرجة الأولى مصنّفين من المركز التاسع إلى العشرين. ويخوض الفريقان الدور الثاني في مطلع سبتمبر.
أما الثمانية الكبار -أي حامل اللقب وأصحاب المراكز السبعة الأولى في الدوري الموسم المنقضي- فلا يدخلون المنافسة قبل دور الستة عشر في ديسمبر. عملياً، هذا يعني أن نادياً مثل إنتر أو نابولي قد لا يخوض مباراته الأولى في البطولة إلا بعد أربعة أشهر كاملة من انطلاقها. ثم يأتي ربع النهائي في فبراير. ويلعب الفريقان نصف النهائي بين مارس وأبريل. ويختتم الطرفان المنافسة بمباراة النهائي في التاسع عشر من مايو 2027.
مباراة واحدة… إلا في نصف النهائي
تحسم الفرق جميع الأدوار في مباراة واحدة، على أرض الفريق الأعلى تصنيفاً. يستثنى من ذلك نصف النهائي، الذي يخوضه الفريقان ذهاباً وإياباً. ومنذ موسم 2024-2025، دخل تعديل مهم حيّز التنفيذ. لم تعد الفرق تلعب الوقت الإضافي سوى في نصف النهائي والنهائي. أما باقي المباريات فتحسمها ركلات الترجيح مباشرة، إذا انتهى الوقت الأصلي بالتعادل. رفع هذا التعديل من إيقاع المنافسة، وضاعف احتمالات المفاجآت أمام الأندية الكبرى.
يظل النهائي مباراة واحدة، يستضيفها ملعب الأولمبيكو في العاصمة روما. وهذا تقليد ترسّخ منذ ألغى الاتحاد صيغة النهائي من مباراتين، ابتداءً من موسم 2007-2008. ومن الملامح الخاصة بالنظام الإيطالي أيضاً أن الاتحاد يسحب القرعة كاملة قبل انطلاق المسابقة، على طريقة بطولات التنس. وبذلك يعرف كل نادٍ مساره النظري حتى النهائي منذ اليوم الأول. وهذا يمنح الصحافة الإيطالية مادة دسمة للتكهنات، قبل انطلاق الموسم.
ماذا يربح صاحب اللقب؟
لا تقتصر الجائزة على الكأس والكوكاردة. يضمن الفائز تلقائياً مقعداً في مرحلة الدوري من الدوري الأوروبي. وإن كان قد تأهل أصلاً إلى دوري أبطال أوروبا عبر ترتيب الدوري المحلي، ينتقل المقعد الأوروبي إلى النادي التالي في الجدول. كما يمنح مجرد بلوغ النهائي بطاقة المشاركة في كأس السوبر الإيطالية للموسم الموالي. وهذا المزيج بين مكافأة أوروبية مضمونة ومسار قصير نسبياً، يجعل كأس إيطاليا هدفاً واقعياً لأندية الصف الثاني. فهذه الأندية تدرك أن مطاردة المراكز الأوروبية عبر الدوري تفوق إمكاناتها.
يوفنتوس سيّد السجل وإنتر في المطاردة
يتصدر يوفنتوس سجل الأبطال بلا منازع، برصيد خمسة عشر لقباً. أحرز منها أربعة ألقاب متتالية بين عامي 2015 و2018. كما يحمل الرقم القياسي في عدد النهائيات التي خاضها، بواقع 22 نهائياً. ويأتي إنتر في المركز الثاني برصيد عشرة ألقاب، بعد تتويجه الأخير. ثم تحل روما ثالثة بتسعة ألقاب من سبعة عشر نهائياً. يليها لاتسيو بسبعة ألقاب، ثم فيورنتينا ونابولي بستة ألقاب لكل منهما. وعلى امتداد أكثر من قرن، لم يرفع كأس إيطاليا سوى ستة عشر نادياً مختلفاً. يعكس هذا الرقم هيمنة واضحة للأندية التاريخية، رغم الطابع الإقصائي للمنافسة.
ومن الوقائع التي توثّقها الرابطة الإيطالية أن فادو عام 1922، ونابولي في عامي 1961 و1962، هم الوحيدون الذين أحرزوا اللقب وهم خارج الدرجة الأولى. كما نجحت خمسة أندية فقط في الجمع بين الدرع والكأس في الموسم نفسه. وكان تورينو أول من فعلها عام 1943. وحقق إنتر هذه الثنائية مرتين، في موسمي 2005-2006 و2009-2010.
ليلة الأولمبيكو: كيف حسم إنتر نهائي 2026؟
جرى النهائي الأخير يوم 13 مايو 2026 على ملعب الأولمبيكو. جمع اللقاء بين لاتسيو وإنتر، في إعادة لنهائي عام 2000 الذي كان قد ابتسم للفريق الروماني آنذاك. لكن السيناريو انقلب هذه المرة. حسم إنتر اللقاء بهدفين نظيفين. جاء الهدف الأول عن طريق هدف عكسي سجّله المدافع آدم ماروشيتش في الدقيقة الرابعة عشرة. وضاعف لاوتارو مارتينيز الغلّة في الدقيقة الخامسة والثلاثين. حضر المباراة 68,729 متفرجاً. نال الهولندي دينزل دومفريس جائزة أفضل لاعب. وأدار اللقاء الحكم ماركو غويدا.
بهذا التتويج، رفع النادي اللومباردي رصيده إلى عشرة ألقاب. ابتعد بفارق واضح عن روما، وقلّص -نسبياً- الهوّة التي تفصله عن يوفنتوس. أما لاتسيو فبقي عند سبعة ألقاب، رغم بلوغه النهائي الحادي عشر في تاريخه.
أسماء وأرقام حفرت اسمها في الذاكرة
يتصدر أليساندرو ألتوبيلي قائمة هدافي المسابقة عبر التاريخ، بـ56 هدفاً. يليه روبيرتو بونينسينيا بـ48 هدفاً، ثم جوزيبي سافولدي بـ47. أما على مستوى المشاركات، فيحتفظ روبيرتو مانشيني بالرقم القياسي، بـ120 مباراة. يليه جوزيبي بيرغومي بـ119 مباراة، خاضها كلها بقميص إنتر. والطريف أن مانشيني نفسه يتقاسم مع جانلويجي بوفون رقم أكبر عدد من الألقاب كلاعب، بستة ألقاب لكل منهما. ويملك ماسيميليانو أليغري الرقم القياسي بين المدربين، بخمسة ألقاب.
ويبقى أحد أغرب الأرقام في تاريخ كأس إيطاليا من نصيب جانلوكا فيالي. سجّل فيالي ثلاثة عشر هدفاً بقميص سامبدوريا، في نسخة واحدة موسم 1988-1989. وهو رقم لم يقترب منه أحد منذ ذلك الحين. وللمقارنة، يتصدر باولو ديبالا قائمة اللاعبين النشطين، بثلاثة عشر هدفاً جمعها على امتداد مسيرته كاملة في المسابقة.
موسم جديد بدأ بالفعل
لا تزال أندية الدرجة الأولى تنهي استعداداتها، وتحسم صفقاتها الأخيرة. لكن النسخة الثمانين قطعت أشواطها الأولى بالفعل، منذ التاسع من أغسطس. يجري ذلك بعيداً عن الكاميرات وعن اهتمام الجمهور العريض. وهذا في جوهره ما يمنح البطولة نكهتها الخاصة: مسار طويل يبدأ في ملاعب شبه فارغة بمدن صغيرة، وينتهي في مايو أمام سبعين ألف متفرج في روما. وبين المحطتين، تتاح لأي نادٍ متواضع فرصة ليلة واحدة، قد تقلب موازين موسم كامل. وهذا يفسّر لماذا تظل هذه الكأس -رغم كل ما يقال عن هامشيتها أمام الدوري- محطة لا يستهين بها أحد في الكالتشيو.
