قدّمت بلجيكا عرضًا مقنعًا ومنظّمًا حين تغلّبت على كرواتيا بهدفين نظيفين في مباراة ودية ساخنة أُقيمت على ملعب HNK رييكا، في بروفة أخيرة تحمل دلالات كبيرة قبل تسعة أيام فقط من انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. هذا الفوز اللافت، الذي منح “الشياطين الحمر” دفعة معنوية ثمينة، أظهر أن المنتخب البلجيكي يصل إلى الموعد العالمي بحالة فنية صاعدة رغم غياب بعض عناصره عن أجواء المنافسة لفترة طويلة.
تفاصيل مباراة بلجيكا ضد كرواتيا الودية
دارت أطوار اللقاء بإيقاع متوازن في بدايته، قبل أن تبدأ بلجيكا فرض حضورها الهجومي تدريجيًا عبر الأطراف. وكان الجناح جيريمي دوكو أخطر عناصر المباراة بلا منازع، إذ شكّل إصراره على الجهة اليسرى مصدر إزعاج دائم للدفاع الكرواتي طوال الشوط الأول.
قبيل نهاية الشوط الأول، وتحديدًا في الدقيقة 38، توّج دوكو مجهوده بعرضية أرضية منخفضة وصلت إلى يوري تيليمانس الذي لم يتردد في إسكانها الشباك، مسجّلًا هدفه الدولي الثالث عشر بقميص بلده. وبهذا الهدف، حسمت بلجيكا أفضلية الشوط الأول لصالحها رغم استحواذ كرواتيا الأكبر على الكرة.
وفي الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني، عند الدقيقة 90+6، حسم روميلو لوكاكو النتيجة نهائيًا بعد هجمة مرتدة سريعة أطلقه فيها هانز فاناكن، فأنهى الأخير العملية بإتقان ومرّ من الحارس دومينيك كوتارسكي مسجّلًا الهدف الثاني. وكان ذلك الهدف الدولي التسعين في مسيرة المهاجم البلجيكي، في إشارة لافتة إلى عودته القوية إلى الواجهة.
عودة لوكاكو الانتظارية وحضور مودريتش بقناع
مثّلت هذه المباراة محطة مهمة في مسار روميلو لوكاكو، الذي كان غائبًا عن كرة القدم الدولية منذ سبتمبر 2025 بسبب الإصابة. فالمهاجم لم يلعب أكثر من 64 دقيقة مع ناديه نابولي طوال الموسم جرّاء مشكلة في الورك، ما جعل عودته للتسجيل خبرًا مطمئنًا للجهاز الفني. ويعتزم المدرب رودي غارسيا منحه وقت لعب تدريجيًا حتى يصل إلى المونديال بأفضل حالة بدنية ممكنة.
على الجانب الكرواتي، لفت لوكا مودريتش الأنظار بمشاركته مرتديًا قناعًا واقيًا للوجه، في إطار تعافيه من كسر مزدوج في عظمة الخد أصيب به خلال مباراة في الدوري الإيطالي ضد يوفنتوس وخضع على إثره لعملية جراحية. وكانت هذه مشاركته الثانية فقط منذ تلك الإصابة، ما يعكس إصرار قائد المنتخب الكرواتي على التواجد رغم الظروف.
الظهور الدولي الأول لفيرنانديز-باردو
حملت المباراة كذلك حدثًا بارزًا تمثّل في الظهور الدولي الأول للموهبة ماتياس فيرنانديز-باردو، الذي دخل بديلًا عن دوكو في الدقيقة 73. واللاعب المولود في بروكسل والبالغ من العمر 21 عامًا كان قد اختار تمثيل إسبانيا في مطلع 2025، غير أن الفيفا أكّد عدم مثوله رسميًا مع “لاروخا”، ما فتح الباب أمام عودته إلى صفوف بلجيكا. وتؤكد أرقامه الصاعدة، إذ سجّل 8 أهداف وقدّم 7 تمريرات حاسمة في 40 مباراة هذا الموسم، أنه إضافة واعدة للهجوم البلجيكي.
قراءة في الأرقام والإحصائيات
على عكس ما توحي به النتيجة، استحوذت كرواتيا على الكرة بنسبة 57% مقابل 43% لبلجيكا، إلا أن الفعالية الهجومية كانت بلجيكية بامتياز. فقد أطلق “الشياطين الحمر” 8 تسديدات مقابل 5 لكرواتيا، وتفوّقوا في مؤشر الأهداف المتوقعة (xG) بـ0.91 مقابل 0.50، مع خلق فرصتين واضحتين أمام المرمى. وتؤكد هذه الأرقام، بحسب ما نقلته منصات الإحصاء الرياضي المتخصصة، أن بلجيكا كانت الأكثر خطورة والأكثر استثمارًا للفرص رغم تراجعها في الاستحواذ.
هذا النوع من الانتصارات في البروفات الأخيرة يعكس الأهمية التي توليها المنتخبات الكبرى لضبط جاهزيتها قبل العرس العالمي، وهو ما رصدناه أيضًا في تقريرنا حول المباريات التجريبية الأخيرة وسباق الضبط التكتيكي بين كبار المنتخبات.
دلالات الفوز قبيل انطلاق كأس العالم 2026
تكتسب هذه المباراة الودية الساخنة قيمة معنوية مضاعفة بالنظر إلى توقيتها الحساس. فالفوز على منتخب بحجم كرواتيا، صاحب التجارب الكبيرة في النسخ الأخيرة من المونديال، يمنح بلجيكا ثقة كبيرة في خطها الهجومي، وخصوصًا أن لوكاكو استعاد إحساسه بالتسجيل في الوقت المناسب تمامًا.
ويأتي هذا الانتصار ضمن سلسلة من النتائج الإيجابية للمنتخبات الأوروبية في وديات الإعداد، على غرار ما حقّقته منتخبات أخرى في معسكراتها التحضيرية مثل النرويج التي اكتسحت السويد 3-1 في ودية نارية، أو ما قدّمته منتخبات أخرى في بروفاتها الأخيرة مثل البرازيل التي سحقت بنما بسداسية مدوية.
توقعات وتحليل
يبدو أن رودي غارسيا قد وجد التوليفة الهجومية المناسبة التي تجمع بين خبرة لوكاكو وحيوية دوكو وموهبة الوافدين الجدد أمثال فيرنانديز-باردو. ومع تسجيل تيليمانس من العمق، تمتلك بلجيكا تنوعًا في مصادر الخطورة سيكون عاملًا حاسمًا في الدور الأول من البطولة. أما كرواتيا، فرغم الخسارة، يبقى تركيزها منصبًا على استعادة لياقة قائدها مودريتش وضبط منظومتها الوسطية قبل الموعد الكبير. وتبقى الأيام القليلة المتبقية كفيلة بإظهار الجاهزية الحقيقية للمنتخبين، في انتظار صافرة البداية للحدث الذي ينتظره العالم.
