في ليلةٍ ستبقى محفورة في ذاكرة الكرة الجزائرية، نجح المنتخب الجزائري في أن يُسقط هولندا بهدف أنيس حاج موسى في روتردام، محققاً فوزاً تاريخياً وثميناً بنتيجة (1-0) على مضيفه منتخب “الطواحين” مساء الأربعاء بملعب دي كويب، ضمن آخر التحضيرات الوديّة قبل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026. لم يكن مجرد فوزٍ على ورقٍ، بل رسالة قوية بعثها “الخضر” إلى منافسيهم قبل أقل من أسبوعين على أول مواجهاتهم في المونديال أمام الأرجنتين.
تفاصيل الفوز التاريخي للمنتخب الجزائري
جاءت هذه المباراة لتُسجّل في كتاب الأرقام بوصفها أول لقاءٍ رسمي أو ودّي يجمع بين الجزائر وهولندا عبر التاريخ. وقد قدّم المنتخب الجزائري أداءً منظّماً ومتماسكاً، اعتمد فيه على صلابةٍ دفاعية لافتة وقدرةٍ على الصمود أمام الضغط الهولندي المتواصل، قبل أن يحسم اللقاء في توقيتٍ متأخر.
تكمن أهمية الإنجاز في أنّ هزيمة هولندا فوق أرضها كانت الأولى لها منذ ما يقارب ثلاث سنوات، إذ يعود آخر سقوطٍ لها على ملعبها إلى 13 أكتوبر 2023 أمام فرنسا (1-2) ضمن تصفيات يورو 2024. أن يأتي هذا السقوط على يد منتخبٍ إفريقي يستعد للمونديال يمنح “الخضر” دفعة معنوية هائلة قبل الاستحقاق الأكبر.
هدفٌ من توقيع أنيس حاج موسى
اللحظة الحاسمة حملت توقيع الجناح أنيس حاج موسى الذي دخل بديلاً في الشوط الثاني. وفي الدقيقة 86، انتزع الكرة من الجهة اليمنى ثم قوّسها بقدمه اليسرى في تسديدةٍ منحنية رائعة استقرت في الزاوية العليا، عاجزاً الحارس الهولندي عن التصدّي لها. والمفارقة الشعرية أنّ حاج موسى سجّل هذا الهدف فوق أرضية الملعب نفسه الذي يلعب عليه مع ناديه فاينورد، حيث اعتاد جمهور روتردام رؤية هذا النوع من التسديدات منه — لكن ليس في مرمى منتخب بلادهم هذه المرة.
جاء الهدف إثر تمريرةٍ ذكية من المخضرم نبيل بن طالب، ليتوّج اللاعب المولود في باريس موسماً استثنائياً سجّل خلاله 14 هدفاً مع فاينورد في مختلف المسابقات. وكان هذا أول أهدافه الدولية مع منتخب الجزائر، في مكافأةٍ مستحقة لمسيرةٍ تصاعدية تؤكد مكانته بين أبرز المواهب الصاعدة في الكرة الجزائرية.
لوكا زيدان نجم اللقاء بلا منازع
إذا كان حاج موسى صاحب الهدف، فإنّ حارس المرمى لوكا زيدان كان الحصن الذي حمى الفوز. نال الحارس تقييماً مرتفعاً بلغ 9.5 وفق منصة “سوفاسكور”، بعدما أجرى ست تصديات من بينها تصدّيان حاسمان، إضافةً إلى تسع استعاداتٍ للكرة في أداءٍ هادئ ومتكامل امتدّ طوال التسعين دقيقة.
والأكثر إثارة للإعجاب أنّ لوكا خاض المباراة وهو يرتدي قناعاً واقياً للوجه، بعد تعرّضه لكسرٍ في الذقن والفك خلال مباراة فريقه غرناطة أمام ألميريا في دوري الدرجة الثانية الإسبانية في أبريل الماضي. هذه الشجاعة عكست روح الإصرار التي ميّزت أداء المنتخب الجزائري بأكمله في هذه المواجهة.
قراءة في أداء المجموعة
بعيداً عن الأسماء البارزة، أظهر “الخضر” انضباطاً تكتيكياً واضحاً، عبر كتلةٍ دفاعية منخفضة استطاعت امتصاص محاولات الهجوم الهولندي، ثم الارتداد السريع عبر الأطراف. وقد منح هذا التوازن المنتخب القدرة على الحفاظ على نظافة شباكه أمام أحد أقوى الخطوط الهجومية في أوروبا.
رسالة قوية قبل مونديال 2026
يأتي هذا الفوز ضمن سلسلة الوديّات التحضيرية التي تخوضها كبرى المنتخبات قبل انطلاق العرس العالمي، وهي مباريات تكتسب أهمية مضاعفة في ضبط الجاهزية البدنية والتكتيكية كما أوضحنا في تغطيتنا حول المباريات التجريبية الأخيرة في يونيو وسباق الضبط التكتيكي بين كبار المنتخبات.
وفي السياق ذاته، يبدو الحضور العربي في المونديال المقبل قوياً ومبشّراً، إذ تتطلع عدة منتخبات إلى تكرار الإنجازات والمفاجآت، وهو ما تناولناه بالتفصيل في ملف المنتخبات العربية في كأس العالم 2026 وحظوظها. ولم يكن المنتخب الجزائري وحده في إثبات الجاهزية، فقد سبقه المنتخب المغربي إلى تأكيد قوته كما رصدنا في خبر المغرب يُسحق مدغشقر برباعية نظيفة في آخر استعداداته.
ماذا ينتظر “الخضر”؟
يستعد المنتخب الجزائري لمواجهةٍ ناريّة في افتتاح مشواره المونديالي أمام الأرجنتين، وهي مواجهة تحمل تحدّياً كبيراً أمام بطلٍ سابق للعالم. لكنّ ما قدّمه “الخضر” أمام هولندا يمنح الجهاز الفني والجماهير قدراً كبيراً من التفاؤل، خصوصاً مع التألق اللافت لجيلٍ جديد يقوده لاعبون من أمثال حاج موسى ولوكا زيدان.
خاتمة وتوقعات
الفوز على هولندا في عقر دارها ليس مجرد نتيجة وديّة عابرة، بل مؤشرٌ على نضوج المنتخب الجزائري وقدرته على منافسة الكبار. وإذا حافظ “الخضر” على هذا المستوى من الانضباط الدفاعي والفعالية الهجومية، فإنّ حظوظهم في تجاوز دور المجموعات تبدو واقعية رغم صعوبة المنافسة. تبقى المباراة الأولى أمام الأرجنتين هي الاختبار الحقيقي الذي سيكشف مدى استعداد الجزائر لخوض غمار المونديال بطموحٍ يليق بتاريخها الكروي.
