المنتخبات العربية في كأس العالم 2026

تسدل بطولة كأس العالم 2026 الستار تدريجيًا عن أحلام عربية كثيرة كانت قد انطلقت بطموحٍ عريض، لتكشف الجولات الأولى عن واقعٍ مرٍّ لا يقبل التجميل. فمن بين سبعة منتخبات عربية حملت آمال مئات الملايين من المشجعين، انهارت أربعة منها انهيارًا شبه تام، فيما تتشبث ثلاثة بخيوط أملٍ رفيعة قبل الجولة الأخيرة، ويبقى المغرب وحده هو الاستثناء الباهر الذي أثبت أن الحضور العربي في المحافل الكبرى يمكن أن يكون مشرّفًا حين تتكامل عناصر النجاح. في هذا التحليل، نغوص في أسباب هذا التفاوت الصارخ بين المنتخبات، ونقرأ ما وراء الأرقام من دروسٍ كان ينبغي أن تُستوعب منذ زمن.

سقوطٌ مدوٍّ: تونس والعراق والأردن خارج المنافسة

لم تكن بداية المنتخبات العربية موفّقة على الإطلاق، بل جاءت صادمة بكل المقاييس. فالمنتخب التونسي، الذي طالما عُرف بصلابته الدفاعية وانضباطه التكتيكي، تلقّى هزيمةً قاسية أمام السويد بخماسية نظيفة مقابل هدفٍ وحيد، ثم تكرّر السيناريو المؤلم أمام اليابان برباعيةٍ دون رد. خرجت “نسور قرطاج” بصفرٍ من النقاط وبفارق أهداف بلغ ناقص عشرة، وهو رقمٌ يلخّص حجم الانهيار الدفاعي والذهني الذي أصاب الفريق.

أما المنتخب العراقي، العائد إلى المسرح العالمي بعد غيابٍ طويل، فقد اصطدم بواقع الفارق الكبير في المستوى. خسر أمام النرويج برباعيةٍ مقابل هدف، ثم أمام فرنسا بثلاثية نظيفة، ليجد “أسود الرافدين” أنفسهم خارج دائرة المنافسة مبكرًا. ولم يكن حظ المنتخب الأردني بأفضل حالًا، إذ خسر مباراتيه الأوليين وودّع البطولة بلا رصيدٍ يُذكر.

قراءة في أسباب الإخفاق

إن القاسم المشترك بين هذه المنتخبات الثلاثة لا يكمن في نقص الحماس أو الرغبة، بل في الهوّة الواسعة التي ما زالت تفصل الكرة العربية عن المنظومات الكروية الكبرى. فالفارق في الإعداد البدني، وفي الخبرة بمواجهة المنتخبات العالمية، وفي العمق التكتيكي، ظهر جليًّا في كل مباراة. لقد كشفت هذه الهزائم أن مجرّد التأهل إلى المونديال لم يعد إنجازًا في حدّ ذاته، وأن المنافسة الحقيقية تتطلّب مشروعًا متكاملًا يمتدّ لسنوات، لا مجرّد جمعٍ لأسماء لامعة قبيل البطولة.

على حافة الأمل: الجزائر والسعودية ومصر تنتظر فرصتها الأخيرة

في الضفة الأخرى من المشهد، ثمة منتخبات لم تُغلق أمامها كل الأبواب بعد، وإن كانت بدرجاتٍ متفاوتة من الأمل. فالمنتخب الجزائري بدأ مشواره بهزيمةٍ متوقّعة أمام الأرجنتين بثلاثيةٍ نظيفة، لكنه استعاد توازنه سريعًا وانتزع فوزًا ثمينًا على الأردن بهدفين مقابل هدف. وتبقى مباراته الأخيرة أمام النمسا يوم الثامن والعشرين من يونيو محطةً فاصلة قد تعيد ترتيب أوراق “الخُضر” وتفتح لهم طريق التأهل.

أما المنتخب السعودي، فقد قدّم أداءً مشرّفًا في مباراته الأولى حين انتزع تعادلًا ثمينًا من الأوروغواي بهدفٍ لمثله، قبل أن يصطدم بجدار المنتخب الإسباني الذي هزمه برباعيةٍ نظيفة. ومع ذلك، يحتفظ “الأخضر” بحظوظه قائمة، إذ تنتظره مواجهة كاب فيردي يوم السابع والعشرين من يونيو في مباراةٍ تبدو في متناوله نظريًّا، وقد تمنحه بطاقة العبور إذا أحسن استثمارها.

مصر: أداءٌ يبعث على التفاؤل

يبرز المنتخب المصري بوصفه أكثر هذه المنتخبات الثلاثة إثارةً للتفاؤل. فقد افتتح “الفراعنة” مشوارهم بتعادلٍ مستحق أمام بلجيكا بهدفٍ لمثله، ثم حقّقوا فوزًا عريضًا ومستحقًّا على نيوزيلندا بثلاثة أهدافٍ مقابل هدف، سجّلها زيزو ومحمد صلاح وتريزيجيه. وبهذا الأداء، تصدّر المنتخب المصري المجموعة الجيم، وبات قاب قوسين أو أدنى من بلوغ الدور المقبل. وتبقى مباراته الأخيرة أمام إيران يوم السابع والعشرين من يونيو فرصةً ذهبية لحسم التأهل رسميًّا. لقد أظهر الفراعنة توليفةً متوازنة بين الخبرة والحماس، وقيادةً فنية بدت أكثر نضجًا من سابقاتها.

المغرب: الاستثناء الذي صنع الفارق

وسط هذا المشهد المتأرجح بين الإخفاق والترقّب، يقف المنتخب المغربي شامخًا بوصفه النموذج الذي يُحتذى. فقد دشّن “أسود الأطلس” مشوارهم بتعادلٍ مدوٍّ أمام البرازيل بهدفٍ لمثله، في مباراةٍ أكّدت أن المنتخب المغربي لم يعد يهاب أحدًا من عمالقة الكرة العالمية. ثم تابع مسيرته بفوزٍ مستحق على اسكتلندا بهدفٍ نظيف، قبل أن يحسم تأهله بفوزٍ عريض على هايتي بأربعة أهدافٍ مقابل هدفين.

بهذه النتائج، تصدّر المغرب مجموعته برصيد سبع نقاط، ليضمن مقعده في دور الستة عشر، وينتظره موعدٌ مع المنتخب الهولندي يوم الثلاثين من يونيو في مدينة مونتيري. إنّ هذا الإنجاز ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرةٌ لمشروعٍ كروي طويل الأمد، بدأت ملامحه تتّضح منذ المسيرة التاريخية في مونديال 2022، حين بلغ المغرب الدور نصف النهائي وأصبح أول منتخبٍ عربي وإفريقي يصل إلى تلك المرحلة.

سرّ النجاح المغربي

لم يأتِ التفوّق المغربي من فراغ، بل استند إلى ركائز واضحة المعالم. فهناك الاستثمار المتواصل في أكاديميات التكوين، والاعتماد على جيلٍ من اللاعبين المحترفين في أعرق الأندية الأوروبية، إضافةً إلى استقرارٍ إداري وفني منح الفريق هويّةً تكتيكية راسخة. لقد تعلّم المغرب كيف يوازن بين الصلابة الدفاعية والفعالية الهجومية، وكيف يدير المباريات الكبرى بأعصابٍ باردة. وهذا بالضبط ما افتقدته بقية المنتخبات العربية التي اكتفت بالحضور دون امتلاك مشروعٍ حقيقي يضمن الاستمرارية والتطوّر.

دروسٌ يجب أن تُستوعب

إنّ المقارنة بين مسارات المنتخبات العربية في هذه البطولة تكشف حقيقةً لا مفرّ منها: النجاح في كرة القدم الحديثة لم يعد رهينًا بالموهبة الفردية وحدها، بل بات نتاجًا لمنظومةٍ متكاملة تشمل التكوين والتخطيط والاستقرار والرؤية بعيدة المدى. فبينما حصد المغرب ثمار سنواتٍ من العمل المنهجي، دفعت تونس والعراق والأردن ثمن غياب هذا التراكم. أما الجزائر والسعودية ومصر، فما زالت أمامها فرصةٌ أخيرة لإنقاذ موسمها وإثبات أن الكرة العربية قادرةٌ على المنافسة متى توافرت لها الإرادة والإعداد الصحيح.

تبقى الأنظار معلّقةً الآن على المباريات الحاسمة في الأيام المقبلة، حيث ستتحدّد ملامح الحضور العربي في الأدوار الإقصائية. وإذا كان المغرب قد رفع الراية عاليًا، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه على كل متابعٍ للكرة العربية هو: هل آن الأوان لأن تتبنّى بقية الدول العربية النموذج المغربي القائم على المشروع طويل الأمد، أم أنها ستظلّ تكتفي بالمشاركة الموسمية التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع؟ ما رأيكم أنتم، أعزّاءنا القرّاء؟