في مواجهة وصفها مدرب المنتخب الإسباني لويس دي لا فوينتي، قبل الصافرة الأولى، بأنه "لا مبالغة في اعتبارها نهائيًا قبل النهائي"، نجحت إسبانيا في فرض إرادتها على فرنسا بثنائية نظيفة (2-0)، مساء الثلاثاء على ملعب دالاس (AT&T Stadium) بمدينة أرلينغتون في ولاية تكساس، لتصبح أول المتأهلين رسميًا إلى نهائي كأس العالم 2026، ضمن أولى مباراتي الدور قبل الأخير من البطولة الأضخم في تاريخ المونديال.
بهذا الانتصار، أنهت "الروخا"، بطلة أوروبا الحالية، مشوار المنتخب الفرنسي، نائب بطل نسخة 2022، في مواجهة جمعت بين أبرز نجمي الجيل الجديد في كرة القدم العالمية: كيليان مبابي ولامين يامال، وحسمتها إسبانيا لصالحها بأداء دفاعي وهجومي متكامل.
أوياثابال يفتح الطريق من نقطة الجزاء
دخل الفريقان المباراة بحذر تكتيكي واضح من الجانبين، قبل أن ينكسر التوازن في الدقيقة 22، حين ارتكب المدافع الفرنسي لوكاس دينيي خطأً داخل منطقة الجزاء بحق الموهبة الإسبانية لامين يامال. احتسب الحكم ركلة جزاء واضحة، نفّذها بثقة وهدوء المهاجم ميكيل أوياثابال، مسجلاً الهدف الأول لمنتخب "الروخا" ومانحًا إياه أفضلية معنوية استغلها جيدًا حتى نهاية الشوط الأول.
بورو يقتل المباراة بهدف ثانٍ رائع
لم تحتج إسبانيا وقتًا طويلًا لتوسيع الفارق، إذ نجح الظهير بيدرو بورو في مضاعفة النتيجة عند الدقيقة 58، بعدما نفّذ حائطًا (one-two) بمهارة مع زميله داني أولمو، قبل أن يسدد الكرة بتصويبة أرضية هادئة تجاوزت حارس المرمى الفرنسي مايك ماينان، لينهي عمليًا أي أمل فرنسي في العودة إلى المباراة.
جدار إسباني صلب يكبح جماح الهجوم الفرنسي
رغم الأسماء الكبيرة التي ضمّتها التشكيلة الفرنسية الهجومية، مبابي وعثمان ديمبلي ومايكل أوليسيه وديزيري دوي، فرض الدفاع الإسباني المتراص قيودًا صارمة على "الديوك"، الذين عجزوا عن توليد خطورة حقيقية طوال 90 دقيقة. وتكشف الأرقام حجم العقم الهجومي الفرنسي، إذ اكتفى المنتخب بـ10 تسديدات لم يُصب المرمى منها سوى 3 محاولات فقط، بمعدل أهداف متوقعة (xG) لم يتجاوز 0.3 خلال المباراة كاملة، وهو رقم هزيل جدًا لمنتخب كان يُعدّ من أبرز المرشحين للقب قبل انطلاق البطولة.
مبابي ويامال… صراع الأجيال ينحاز للجيل الإسباني
شكّلت المباراة المواجهة الحادية عشرة بين كيليان مبابي ولامين يامال على مستوى الأندية والمنتخبات، بعدما التقيا في عشر مناسبات سابقة كان الفوز فيها حليفًا ليامال في 8 مرات، رغم تفوّق مبابي رقميًا من حيث عدد الأهداف بواقع 9 مقابل 6 لنظيره الإسباني الشاب. ودخل مبابي المباراة متصدرًا سباق الحذاء الذهبي برصيد 8 أهداف و3 تمريرات حاسمة، مقابل هدف واحد فقط ليامال حتى تلك اللحظة من البطولة، إلا أن الأداء الجماعي حسم المواجهة لصالح "الماتادور" هذه المرة، تاركًا نجم باريس سان جيرمان بلا أثر يُذكر في اختبار اعتُبر الأصعب في مسيرته بالبطولة.
تكرار سيناريو يورو 2024
لم تكن هذه المرة الأولى التي تقف فيها إسبانيا حجر عثرة أمام فرنسا في نصف نهائي بطولة كبرى؛ ففي نسخة يورو 2024، كانت "الروخا" قد أطاحت بـ"الديوك" بنتيجة مماثلة تقريبًا (2-1)، بفضل هدف رائع من تسديدة بعيدة سجله لامين يامال – الذي لم يتجاوز آنذاك السادسة عشرة من عمره – وهدف ثانٍ حاسم لداني أولمو. وبذلك تُكرّر إسبانيا الإنجاز نفسه بعد عامين، لتؤكد أنها باتت "الفزّاعة" الحقيقية للمنتخب الفرنسي في المحطات الكبرى، وأن جيلها الجديد الذي تفتّق عن يامال وكوبارسي بات الأكثر انسجامًا في القارة العجوز.
وداع مؤلم لـ"الديوك" وحلم استعادة اللقب يتبخّر
دخل مبابي المباراة بتصريحات لافتة قبيل الصافرة الأولى، قائلاً: "توّجت بطلاً عام 2018، وكنت وصيفًا عام 2022، وهذا الجيل لم يحقق أي شيء بعد"، في إشارة إلى الضغط الذي وضعه على نفسه وزملائه لإنهاء مسيرة الفريق بلقب جديد. غير أن الأداء الباهت أمام دفاع إسباني منظم حال دون تحقيق ذلك الطموح، لتنتهي مغامرة فرنسا في الدور قبل الأخير للمرة الثانية على التوالي في بطولة كبرى دون بلوغ النهائي.
التشكيلتان الأساسيتان
فرنسا (4-2-3-1): مايك ماينان في حراسة المرمى؛ ويليام ساليبا، إبراهيما كوناتي، دايوت أوبامیکانو ولوكاس دينيي في الدفاع؛ أدريان رابيو وأوريلين تشوامني في الوسط؛ عثمان ديمبلي ومايكل أوليسيه وبرادلي باركولا خلف مهاجم الفريق كيليان مبابي.
إسبانيا (4-2-3-1): أوناي سيمون في حراسة المرمى؛ بيدرو بورو، روبن لو نورماند، باو كوبارسي ومارك كوكوريلا في الدفاع؛ رودري وفابيان رويز في الوسط؛ لامين يامال وداني أولمو وخون باينا خلف مهاجم الفريق ميكيل أوياثابال.
الطريق إلى نصف النهائي
بلغت إسبانيا هذه المرحلة بعد فوزها المثير على بلجيكا بهدف قاتل في ربع النهائي، بينما حجزت فرنسا مكانها بعد ثنائية أنهت بها حلم المغرب في مواجهة مماثلة. وفي الجهة الأخرى من القرعة، ضمن كل من الأرجنتين بقيادة ميسي وإنجلترا بقيادة بيلينغهام بطاقتيهما بعد إقصاء سويسرا والنرويج على التوالي.
إسبانيا في انتظار الفائز من إنجلترا والأرجنتين
بهذا التأهل التاريخي، أصبحت إسبانيا أول المتأهلين رسميًا إلى نهائي كأس العالم 2026، المقرر إقامته في التاسع عشر من يوليو على ملعب ميتلايف بولاية نيوجيرسي، بانتظار معرفة هوية المنافس، والتي ستتحدد غدًا الأربعاء 15 يوليو على ملعب أتلانتا، حين يلتقي المنتخب الإنجليزي بقيادة جود بيلينغهام مع الأرجنتين ونجمها ليونيل ميسي، في نصف النهائي الثاني الذي يحمل بدوره طابعًا أسطوريًا، باعتباره قد يكون آخر ظهور لميسي في مشوار كأس العالم.
وبصرف النظر عن هوية المنافس، دخلت إسبانيا، بجيلها الذهبي الجديد الذي يقوده لامين يامال ورودري وبيدري، التاريخ بصفتها أحد أبرز المرشحين لحصد لقبها العالمي الثالث، بعد أداء دفاعي وهجومي متكامل أبهر النقاد والجماهير طوال مشوار البطولة، لتترك موعدًا مثيرًا مع الترقب في التاسع عشر من يوليو، حيث ستُكتب الفصول الأخيرة من كأس العالم 2026.

