خرجت تونس من كأس العالم 2026 بحصيلة لا تحتمل التأويل: صفر نقاط، وفارق أهداف بلغ عشرة سلبية، وأسوأ أداء بين المنتخبات العربية المشاركة. هزيمة ثقيلة أمام السويد بخماسية مقابل هدف وحيد، ثم انكسار آخر أمام اليابان برباعية نظيفة. أرقام قاسية، لكنها لا تكذب. ووراء هذه الأرقام، سؤال أكبر بكثير من مباراتين: ماذا حدث لكرة القدم التونسية؟ وأين بالضبط وقع الخطأ؟
قراءة في الأرقام: ما الذي تقوله الهزائم فعلاً؟
حين يستقبل منتخب تسعة أهداف في مباراتين، ولا يسجل سوى هدف واحد، فإن المشكلة لا يمكن اختزالها في سوء حظ أو ظروف عابرة. الفارق السلبي العشري ليس مجرد رقم في جدول الترتيب، بل هو تشخيص صريح لاختلال بنيوي يمس كل خطوط الفريق دفعة واحدة: دفاع انهار تحت الضغط، وسط ميدان عجز عن الاستحواذ وصناعة الفرص، وهجوم بقي شبه غائب عن المشهد طيلة المباراتين.
المقارنة مع باقي المنتخبات العربية تزيد الصورة قتامة. أن تكون تونس صاحبة أسوأ أداء عربي في البطولة ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على تراجع نسبي قياساً بمنتخبات كانت في الماضي القريب أقل خبرة وتاريخاً من نسور قرطاج. هذا التراجع لا يُفسَّر بمباراتين، بل بمسار طويل سبق المونديال بسنوات.
هل الإخفاق تكتيكي؟
على المستوى التكتيكي، كشفت المباراتان عن هشاشة واضحة في التنظيم الدفاعي. استقبال خمسة أهداف أمام السويد يعني أن الكتلة الدفاعية لم تكن متماسكة، وأن المسافات بين الخطوط كانت مفتوحة على نحو سمح للخصم باختراق المنطقة مرة بعد أخرى. وأمام اليابان، بدا أن المنتخب لم يجد حلاً للضغط العالي ولا للسرعة في الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
لكن التحليل التكتيكي وحده قاصر. الخطط لا تُطبَّق في الفراغ، بل يحتاج تنفيذها إلى لاعبين في كامل جاهزيتهم البدنية والذهنية، وإلى انسجام يُبنى عبر الوقت لا عبر معسكر تحضيري قصير. وحين ينهار التنظيم بهذا الشكل أمام منتخبين من مستويين مختلفين، فإن الأرجح أن المشكلة أعمق من اختيار خطة 4-3-3 أو 4-4-2.
الجاهزية الذهنية والبدنية
الدخول إلى كأس العالم يتطلب جاهزية من نوع خاص. الفارق بين منتخب ينافس ومنتخب يكتفي بالمشاركة غالباً ما يكون في التفاصيل: التركيز في الدقائق الأولى، إدارة اللحظات الصعبة، القدرة على الصمود بعد استقبال هدف مبكر. استقبال هذا الكم من الأهداف يوحي بانهيار معنوي تتالى بعد الهدف الأول، وهو ما يطرح أسئلة حول التحضير النفسي للاعبين قبل دخول غمار البطولة.
أم أنه إداري وهيكلي؟
هنا يكمن جوهر النقاش. النتائج على أرضية الملعب غالباً ما تكون انعكاساً لما يجري خارجه. الإخفاق الإداري لا يظهر في تسعين دقيقة، لكنه يتراكم في سنوات: في غياب رؤية واضحة للمنتخب الوطني، وفي تذبذب الاستقرار الفني، وفي القرارات المرتجلة التي تُتخذ تحت ضغط النتائج بدل أن تُبنى على مشروع متكامل.
الاستقرار الفني تحديداً عنصر حاسم. المنتخبات التي تنافس في كأس العالم تبني هويتها عبر سنوات من العمل المتواصل مع طاقم فني يملك الوقت والثقة لتطبيق فلسفته. أما حين تتكرر التغييرات، وحين يُحاسَب المدرب على المدى القصير فقط، فإن الفريق يفقد هويته ويتحول إلى مجموعة من اللاعبين بلا فكرة جامعة.
أما البعد الهيكلي فيمتد إلى ما هو أبعد من المنتخب الأول. كرة القدم التونسية، التي طالما اعتُبرت من المدارس العريقة في القارة الإفريقية والعالم العربي، تحتاج إلى مراجعة صادقة لمنظومتها بأكملها: من البطولة المحلية إلى مراكز التكوين، ومن طريقة اكتشاف المواهب إلى كيفية إعدادها للاحتراف وللمنافسة على أعلى مستوى.
أزمة التكوين وتجديد الأجيال
كل منتخب قوي يقف على قاعدة صلبة من التكوين. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا المونديال: هل ما زالت مراكز التكوين التونسية تنتج لاعبين قادرين على فرض أنفسهم في أعلى المستويات؟ وهل عملية تجديد الأجيال تتم وفق خطة واضحة، أم تُترك للصدفة وللاجتهادات الفردية؟ الإجابة عن هذين السؤالين هي التي تحدد مستقبل نسور قرطاج، لا نتيجة مباراة بعينها.
ماذا تحتاج كرة القدم التونسية؟
الخروج من الأزمة لا يبدأ بإقالة مدرب أو بتغيير وجوه في الاتحاد، بل بمشروع طويل النفس يتجاوز الحلول الترقيعية. تحتاج تونس أولاً إلى رؤية واضحة المعالم تحدد أين تريد أن تكون كرتها بعد أربع سنوات وثماني سنوات، لا أين تريد أن تكون في المباراة المقبلة فحسب.
ثانياً، تحتاج إلى إعادة الاعتبار للبطولة المحلية بوصفها الخزان الطبيعي للمنتخب، وإلى الاستثمار الجاد في التكوين بدل الاكتفاء بانتظار ظهور موهبة استثنائية بين الحين والآخر. وثالثاً، تحتاج إلى استقرار مؤسساتي يفصل بين القرار الفني والضغوط الظرفية، ويمنح المشروع الوقت الكافي لينضج.
أخيراً، لا بد من ثقافة المحاسبة الموضوعية: محاسبة تقوم على معايير واضحة ومعطيات، لا على ردود فعل انفعالية تعقب كل هزيمة. فالكرة لا تُبنى على الانفعال، بل على الصبر والتخطيط والاستمرارية.
خاتمة: السؤال متروك لكم
خروج تونس بهذه الصورة من مونديال 2026 جرح غائر، لكنه قد يكون أيضاً لحظة مراجعة ضرورية. فالأزمات الكبرى أحياناً هي بداية الإصلاحات الكبرى، شرط أن تُقرأ بصدق وأن تُواجَه بشجاعة. السؤال الحقيقي ليس من نلوم، بل ماذا نفعل الآن.
برأيكم، أين يكمن الخلل الأكبر في كرة القدم التونسية اليوم: هل هو تكتيكي يخص الملعب والمدرب؟ أم إداري وهيكلي يخص الاتحاد ومنظومة التكوين؟ وما هي الخطوة الأولى التي يجب أن تبدأ بها تونس طريق العودة؟ شاركونا رأيكم في التعليقات.
