ستبقى ليلة ملعب جيليت في فوكسبورو راسخةً في ذاكرة كأس العالم طويلاً. يومَ الثامن والعشرين من يونيو 2026، وقف العالم مشدوهاً ينظر إلى ألمانيا، بطلة العالم أربع مرات، تودّع كأس العالم في دور الأفضل ستة وثلاثين أمام باراغواي، المنتخب الجنوب أمريكي الذي حوّل مباراةً بدا فيها الألمان أصحاب الأفضلية الكاملة إلى ملحمةٍ أسطوريةٍ اكتملت بفوزٍ تاريخي في ركلات الترجيح. انتهى التعادل بـ1-1 بعد تسعين دقيقة، ثم حُسمت القضية بالركلات بنتيجة 4-3 لصالح الباراغواي، في ما يُعدّ أكبر مفاجآت مونديال 2026 على الإطلاق.
باراغواي تفرض نفسها.. وإنسيسو يصدم الجميع
لم يدخل المنتخب الباراغواي هذه المباراة بصفة الضحية الجاهزة للسقوط، بل دخل بهويةٍ تكتيكية محدّدة المعالم: إحكام الخطوط الدفاعية، ومراقبة نجوم ألمانيا أفراداً، وانتظار أي شقوقٍ قد تفتح نحو المرمى. وعلى الرغم من سيطرة الماكينة الألمانية في البداية، أبدت باراغواي حضوراً جماعياً منظّماً لم يُخلّ بمبدأ الانضباط. جاء المكافأة في الدقيقة الثانية والأربعين، حين قدّم ماتياس غالارزا عرضيةً دقيقة من الجانب الأيمن وجدت خوليو إنسيسو يتزاحم مع المدافعين الألمان في الهواء ليُغرز رأسه في الكرة ويُرسلها في أعلى الشبكة. لم يكن الهدف صُدفةً؛ كان نتاج تنظيمٍ مُحكم وخطّةٍ نُفّذت بدقة.
وصل الشوط الأول إلى ختامه وألمانيا تتعقّب ما فاتتها. المدرب يوليان ناغلسمان الذي أبقى جمال موسيالا على الدكة اختياراً تكتيكياً، واجه أسئلة كبيرة في غرفة الملابس.
هافيرتز يُحيي الآمال.. وموسيالا يُضيف الحيوية
خرج الشوط الثاني وألمانيا تبحث عن إيقاعٍ مختلف. أدخل ناغلسمان جمال موسيالا البديل فتغيّرت طبيعة الحركة في الوسط، وبدأت الفراغات تتّسع أمام الألمان. وفي الدقيقة الرابعة والخمسين، طار فلوريان فيرتز بعرضيةٍ من الجانب فوجد كاي هافيرتز يرتفع وحيداً في المنطقة ليُسدّد برأسه بدقةٍ في الشبكة الباراغوايية. هدف التعادل الذي أعاد تشغيل المحرّكات الألمانية، ومنح الجماهير في فوكسبورو قفزةً نحو التفاؤل. دخل موسيالا وأضاف خطورةً وتعقيداً في مناطق التنظيم، لكن باراغواي ردّت بتنظيمٍ جديد وثبتت في خطوطها الخلفية، مُفوّتةً على ألمانيا كل الأوقات.
مطولات عقيمة وباب الركلات يُفتح
أتت الأوقات الإضافية وألمانيا تُراكم ضغطها كالنهر الذي لا يتوقف، لكن أمام حائطٍ باراغوايٍّ متراص. خلال مائة وعشرين دقيقة كاملة، لم تجد الماكينة الألمانية الثقب الذي يُفضي إلى هدف الحسم. انتهت المطولات والنتيجة لا تزال متعادلة، وفُتح باب الركلات أمام لحظةٍ تاريخية كان كلا الفريقين يترقّبها بخليطٍ من الأمل والرهبة.
ليلة الرعب الألماني: خيل يصنع الأسطورة
جلس المشجعون الألمان وأنفاسهم معلّقة عند بداية الركلات، وكانوا على حقٍّ في قلقهم. الركلة الألمانية الأولى نفّذها كاي هافيرتز فأنقذها الحارس أورلاندو خيل بشكلٍ مذهل. تراجع الألمان أعقاباً، لكنّ ركلة نيكو فولتيماده لقيت المصير ذاته — خيل مرةً أخرى. ثم جاء جوناثان تاه ليُرسل ركلته خارج المرمى تماماً، ليكتمل مشهد الرعب الألماني. في المقابل، أخطأت باراغواي بدورها مع أنتونيو سانابريا الذي أرسل ركلته خارج المرمى، وأنقذ مانويل نوير ركلة فابيان بالبوينا، غير أن ذلك لم يكن كافياً لتدارك الفارق الكبير. أتى خوسيه كاناليس ليُنهي القصة بركلةٍ هادئة محوّلاً الملعب إلى احتفالٍ باراغواياني عارم.
الحارس أورلاندو خيل كان البطل المطلق: إنقاذان في ركلات الترجيح صنعا الفارق وكتبا التاريخ. أما ألمانيا فتُسجّل في سجلاتها المرة الأولى في تاريخها التي تُقصى فيها بركلات الترجيح في كأس العالم، مفاجأةٌ مدوّية بكل المقاييس.
باراغواي تحلم بالثمانية: موعد فيلادلفيا
في اليوم الذي قرّر فيه القدر أن باراغواي تستحق أكثر مما يمنحها الترتيب والتصنيف، وقف خوليو إنسيسو ورفاقه في قلب الاحتفال وهم يُدركون أنهم كتبوا اسمهم في ذاكرة هذا المونديال بأحرف لا تُمحى. باراغواي في دور الثمانية لأول مرة منذ عام ألفين وعشرة، وتنتظر الفائز من مباراة فرنسا والسويد في مدينة فيلادلفيا يوم الرابع من يوليو. الحلم كبيرٌ، والإيمان لا حدود له.
