في ليلةٍ أوروبية لا تُنسى على أرضية ملعب بوشكاش أرينا في العاصمة المجرية بودابست، توّج باريس سان جيرمان بطلًا لدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية على التوالي، بعد فوزٍ مثير على نادي أرسنال الإنجليزي بركلات الترجيح بنتيجة أربعة أهداف مقابل ثلاثة، عقب تعادلهما الإيجابي بهدفٍ لمثله في الوقتين الأصلي والإضافي. وبهذا الإنجاز، يكتب النادي الباريسي اسمه في سجلّ التاريخ، ويؤكد أن حقبة هيمنته على الكرة القارية لم تكن وليدة الصدفة.
أرسنال يصدم الجميع مبكرًا
بدأت المباراة على إيقاع «المدفعجية»، إذ باغت أرسنال حامل اللقب بهدفٍ مبكر في الدقيقة السادسة عبر مهاجمه الألماني كاي هافيرتز، الذي استغل كرةً مرتدة إثر محاولة تشتيت من المدافع ماركينيوس، لينطلق مستفيدًا من تمريرة وصلت إليه ويسكن الكرة في الشباك، واضعًا الفريق اللندني في موقع المتقدّم أمام ذهول جماهير باريس. ومنح هذا الهدف المبكر أرسنال أفضليةً معنوية، غير أن ما تلاه من أحداث قلب موازين اللقاء رأسًا على عقب.
سيطرة باريسية تاريخية وعودة من نقطة الجزاء
رغم تأخره في النتيجة، فرض باريس سان جيرمان سيطرةً شبه مطلقة على مجريات اللعب، مستحوذًا على الكرة بنسبةٍ بلغت نحو اثنين وسبعين في المائة، في مقابل نسبةٍ ضئيلة لأرسنال تُعدّ الأدنى لفريقٍ في نهائي دوري الأبطال منذ بدء تسجيل هذه الإحصائيات عام 2004. وجاءت لحظة التحول في الدقيقة الخامسة والستين، حين ارتكب المدافع كريستيان موسكيرا خطأً على الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا داخل منطقة الجزاء، ليحتسب الحكم الألماني دانيال زيبرت ركلة جزاء بعد مراجعةٍ بتقنية الفيديو. وتقدّم النجم الفرنسي عثمان ديمبيلي، الفائز بالكرة الذهبية، لينفّذ الركلة ببرودة أعصاب ويخدع الحارس الإسباني دافيد رايا، معيدًا التعادل إلى المباراة.
مجهود دفاعي وإضاعات مؤثرة
واصل باريس ضغطه بحثًا عن هدف الحسم، وكاد كفاراتسخيليا أن يمنح فريقه التقدّم بعد انطلاقةٍ رائعة في الدقيقة السابعة والسبعين، لكن دفاع أرسنال أبعد محاولته إلى القائم. كما أهدر البديل برادلي باركولا فرصتين ثمينتين، فيما اشتكى لاعبو أرسنال من عدم احتساب ركلة جزاء لهم إثر تدخّلٍ على نوني ماديكي، غير أن الحكم رفض احتجاجاتهم. وبانتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل، احتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح، في أول نهائيٍ للبطولة يُحسم بهذه الطريقة منذ عشر سنوات، حين تغلّب ريال مدريد على جاره أتلتيكو عام 2016.
دراما ركلات الترجيح ولمسة عربية
في سلسلة ركلات الترجيح، أبدى لاعبو باريس سان جيرمان رباطة جأشٍ أكبر، فسجّل كلٌّ من غونزالو راموس وديزيريه دوي والظهير المغربي الدولي أشرف حكيمي ولوكاس بيرالدو ركلاتهم بثقة، ليُسهم النجم المغربي بنصيبٍ مباشر في التتويج القاري ويضيف فخرًا جديدًا للكرة العربية على أعلى المستويات. في المقابل، أهدر إيبيريتشي إيزي ركلته، قبل أن يأتي القرار الحاسم من قدم المدافع البرازيلي غابرييل ماغالهايس، الذي سدّد كرته عاليةً فوق العارضة في اتجاه مدرجات جماهير باريس، التي انفجرت فرحًا بالتتويج الثاني على التوالي.
باريس في صفوة التاريخ
بهذا اللقب، يصبح باريس سان جيرمان ثاني فريق فقط ينجح في الاحتفاظ بلقب دوري الأبطال منذ إعادة تسمية البطولة عام 1992، بعد ريال مدريد الذي حقّق ثلاثية متتالية بين عامي 2016 و2018. كما يُعدّ النادي الباريسي العاشر في تاريخ كأس أوروبا الممتد منذ عام 1955 الذي يفوز بلقبين متتاليين، فضلًا عن كونه أول نادٍ فرنسي يبلغ هذا الإنجاز على الإطلاق، مكرّسًا مشروعه الرياضي بقيادة المدرب الإسباني لويس إنريكي.
حسرة أرسنال تتواصل
على الجانب الآخر، تتجدّد خيبة أرسنال الذي ظلّ ينتظر تتويجه الأوروبي الأول، بعدما اكتفى بالوصافة في نهائي عام 2006. ورغم الموسم الاستثنائي الذي توّجه «المدفعجية» بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز لأول مرة منذ اثنين وعشرين عامًا، فإن الحلم القاري ظلّ بعيد المنال. وأشاد المدرب الإسباني ميكيل أرتيتا بأداء لاعبيه، داعيًا إياهم إلى مزيدٍ من الطموح بعد هذه الخسارة المؤلمة، مؤكدًا أن الفريق قادر على بلوغ المجد الأوروبي في المواسم المقبلة.
وهكذا أُسدل الستار على نهائيٍ قاريٍ مثير جمع بين الندّية والإثارة والدراما، ليبقى باريس سان جيرمان سيّدًا للكرة الأوروبية، ويواصل أرسنال البحث عن لقبٍ ظلّ يراوغه على مدى عقود.
