في خطوة لافتة تعكس حساسية التحضير للحدث الكروي الأكبر على وجه الأرض، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تراجعه عن حظر زجاجات المياه داخل ملاعب كأس العالم 2026، وذلك إثر موجة من الانتقادات الجماهيرية الواسعة التي ركّزت على رفاهية المشجعين ومخاطر ارتفاع درجات الحرارة في عدد من المدن المستضيفة بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ويأتي هذا القرار ليُسدل الستار على جدل امتد أياماً، ويعيد إلى الواجهة تساؤلات حول مدى استعداد المنظومة المنظِّمة لمتطلبات بطولة استثنائية من حيث الحجم والظروف المناخية.
من السياسة المرنة إلى الحظر المفاجئ
في البداية، اعتمد الفيفا سياسة متساهلة نسبياً تجاه دخول المشروبات إلى الملاعب، إذ كانت القواعد تسمح للجماهير بإدخال عبوة بلاستيكية شفافة وفارغة لا تتجاوز سعتها لتراً واحداً، على أن يجري ملؤها لاحقاً من نوافير المياه المتوفرة داخل المنشآت. وكان هذا النهج ينسجم مع التوجهات الحديثة في الفعاليات الرياضية الكبرى التي تراعي الاستدامة البيئية وراحة الحضور.
غير أن المشهد تبدّل فجأة في الثاني من يونيو 2025، حين حدّث الفيفا قواعد سلوك الملاعب فحذف تلك الفقرة بالكامل، وحظر استخدام محطات الترطيب داخل الملاعب. وقد جاء هذا التعديل من دون شرح وافٍ يُقنع الرأي العام، ما فتح الباب أمام موجة من الاعتراضات سرعان ما اتسعت رقعتها مع اقتراب موعد انطلاق البطولة.
الفيفا يتراجع عن حظر زجاجات المياه تحت ضغط الجماهير
تصاعدت الاحتجاجات خلال الأيام الأخيرة، مدفوعةً بتحذيرات صريحة من تأثير الحرارة المرتفعة على الجماهير في بعض المدن المضيفة، خصوصاً تلك المعروفة بصيفها القائظ. هذا الضغط المتزايد دفع مسؤولي البطولة إلى إعادة النظر في السياسة المعتمدة، لتُتوَّج المراجعة بإعلان رسمي يوم الجمعة بالسماح للجماهير في مباريات كأس العالم المقررة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بإدخال زجاجة مياه واحدة مختومة من المصنع ومخصصة للاستخدام مرة واحدة.
ويمثّل هذا التراجع اعترافاً ضمنياً بأن القرار الأول لم يأخذ في الحسبان البعد الإنساني والصحي بالقدر الكافي، وهو درس بالغ الأهمية لمنظمي بطولة بحجم كأس العالم. وبحسب ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”، فإن العودة عن الحظر جاءت بعد أيام قليلة فقط من فرضه، في مؤشر على سرعة استجابة الفيفا للضغط الشعبي رغم تمسّكه بالحجج الأمنية.
تفاصيل القرار الجديد: المسموح والمحظور
أعلن الفيفا عبر منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي أنه سيُسمح لجميع المشجعين بإدخال زجاجة واحدة، ناعمة وبلاستيكية، سعتها نحو 590 ملليلتراً (20 أونصة)، مختومة من المصنع وللاستخدام مرة واحدة، إلى أي مباراة في كأس العالم 2026. في المقابل، شدّد الاتحاد على أن الزجاجات الصلبة أو القابلة لإعادة الاستخدام ستظل محظورة بشكل قاطع.
وفي هذا السياق، أوضح هيمو شيرجي، الرئيس التنفيذي للعمليات في الفيفا، أن هذا القيد يستند إلى اعتبارات السلامة والأمن، مشيراً إلى أن الزجاجات الصلبة تُعدّ من بين عدة أشياء قد تشكّل خطراً في حال إلقائها داخل المدرجات. وهكذا يحاول الفيفا الموازنة بين متطلبات الأمن وحاجات الجماهير، وهي معادلة شائكة تتكرر في كل الفعاليات الجماهيرية الكبرى.
استثناء المكسيك وضبابية التطبيق
تجدر الإشارة إلى أن القرار الجديد يُطبَّق حتى الآن على 13 ملعباً فقط في الولايات المتحدة وكندا، من دون تحديد واضح لما إذا كانت الملاعب في المكسيك ستتبع النهج نفسه. هذا الغموض يطرح علامات استفهام حول تنسيق السياسات بين الدول الثلاث المستضيفة، خصوصاً أن المكسيك تضم مدناً معروفة بارتفاع درجات حرارتها، ما يجعل مسألة الترطيب أكثر إلحاحاً هناك.
البُعد الصحي في صلب الجدل
يبقى العامل الصحي هو المحرّك الأساسي وراء هذه الأزمة المصغّرة. فدرجات الحرارة المرتفعة في عدد من ملاعب البطولة، إلى جانب الرطوبة في بعض المناطق، تجعل توافر المياه ضرورة لا ترفاً، خاصة بالنسبة لكبار السن والأطفال والفئات الأكثر هشاشة. وقد لعبت هذه المخاوف دوراً حاسماً في حشد الرأي العام ضد القرار الأصلي.
ويأتي هذا الجدل في سياق سلسلة من النقاشات المحيطة بتنظيم المونديال المقبل، بدءاً من قضايا تتعلق بالمكافآت والتذاكر كما يظهر في خلاف لاعبي المنتخب الفرنسي مع الاتحاد بشأن مكافآت كأس العالم 2026، وصولاً إلى الجوانب اللوجستية والتنظيمية التي تتطلب دقة استثنائية. ومع اقتراب الموعد، تتزايد الأنظار نحو استعدادات المنتخبات الطامحة، ومن بينها مصر التي يقودها محمد صلاح كما تناولنا في تقرير صلاح يقود مصر في كأس العالم 2026 ساعياً لتحطيم الرقم القياسي.
قراءة في الأبعاد التنظيمية
تكشف هذه الحادثة عن التحديات المتشعّبة التي يواجهها الفيفا في تنظيم نسخة استثنائية من حيث عدد المنتخبات المشاركة (48 منتخباً) وتوزّع المباريات على ثلاث دول. فالموازنة بين الأمن والراحة والاستدامة ليست بالمهمة اليسيرة، خصوصاً مع تباين القوانين والمعايير بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وقد بيّنت سرعة التراجع أن المنظمين باتوا أكثر حساسية لصوت الجماهير، التي تمثّل في النهاية المحرّك الاقتصادي والعاطفي للبطولة.
وتُذكّر هذه الواقعة بأن نجاح أي بطولة لا يُقاس فقط بالمستوى الفني للمباريات، بل أيضاً بجودة التجربة الكاملة للمشجع، من لحظة دخوله الملعب حتى مغادرته. ومع تزايد الاهتمام بالاستعدادات الفنية للمنتخبات، مثل تلك التي رصدناها في تحليل فرنسا في كأس العالم 2026 وتكتيك 4-2-3-1 مع مبابي، تظل الجوانب اللوجستية والتنظيمية عنصراً لا يقل أهمية في تحديد صورة الحدث الكبير.
خاتمة وتوقعات
يبدو أن هذه الأزمة، رغم محدوديتها الظاهرة، ستترك أثراً في طريقة تعاطي الفيفا مع القرارات المتعلقة بالجماهير مستقبلاً، إذ قد يدفعه ذلك إلى إجراء مشاورات أوسع قبل اعتماد سياسات حسّاسة. ومن المرجّح أن يصدر الاتحاد توضيحات إضافية بشأن وضع الملاعب المكسيكية، وربما يوسّع نطاق الإجراءات المتعلقة بالترطيب في المدن الأشد حرارة. وفي كل الأحوال، تبقى تجربة المشجع في صميم نجاح كأس العالم 2026، ويظل التوازن بين الأمن والرفاهية اختباراً حقيقياً لقدرة الفيفا على إدارة حدث بهذا الحجم والتعقيد.
